تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
من الممتنعات ، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه . المقدمة الثانية : في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون / حصولها في جسد محمد صلّى اللّه عليه وسلم ممتنعا ، والذي يدل عليه أنا بينا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها ، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام ، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد صلّى اللّه عليه وسلم أمر ممكن الوجود في نفسه . وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات ، وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد صلّى اللّه عليه وسلم ممكن ، فوجب كونه تعالى قادرا عليه وحينئذ يلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه ، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب ، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام ، بل هو حاصل في جميع المعجزات ، فانقلاب العصا ثعبانا تبلع سبعين ألف حبل من الحبال والعصي ، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب ، وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم ، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب ، وكذا القول في جميع المعجزات فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار والدفع ، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات وإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال فكذا هاهنا ، فهذا تمام القول في بيان أن القول بالمعراج ممكن غير ممتنع واللّه أعلم . المقام الثاني : في البحث عن وقوع المعراج قال أهل التحقيق : الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد صلّى اللّه عليه وسلم وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر ، أما القرآن فهو هذه الآية ، وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والروح ، فوجب أن يكون الإسراء حاصلا لمجموع الجسد والروح . واعلم أن هذا الاستدلال موقوف على أن الإنسان هو الروح وحده أو الجسد وحده أو مجموع الجسد والروح ، أما القائلون بأن الإنسان هو الروح وحده ، فقد احتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن الإنسان شيء واحد باق من أول عمره إلى آخره ، والأجزاء البدنية في التبدل والتغير والانتقال والباقي غير متبدل ، فالإنسان مغاير لهذا البدن . وثانيها : أن الإنسان قد يكون عارفا بذاته المخصوصة حال ما يكون غافلا عن جميع أجزائه البدنية ، والمعلوم مغاير للمغفول عنه ، فالإنسان مغاير لهذا البدن . وثالثها : أن الإنسان يقول بمقتضى فطرته السليمة يدي ورجلي ودماغي وقلبي ، وكذا القول في سائر الأعضاء فيضيف كلها إلى ذاته المخصوصة والمضاف غير المضاف إليه فذاته المخصوصة وجب أن تكون مغايرة لكل هذه الأعضاء . فإن قالوا : أليس أنه يضيف ذاته إلى نفسه ، فيقول ذاتي ونفسي فيلزمكم أن تكون نفسه مغايرة لذاته ، وهذا محال . قلنا : نحن لا نتمسك بمجرد اللفظ حتى يلزمنا ما ذكرتموه ، بل إنما نتمسك بمحض العقل ، فإن صريح العقل يدل على أن الإنسان موجود واحد وذلك الشيء الواحد يأخذ بآلة اليد ويبصر بآلة العين ، ويسمع بآلة الأذن فالإنسان شيء واحد ، وهذه الأعضاء آلات له في هذه الأفعال ، وذلك يدل على أن الإنسان شيء مغاير