تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
بهذين الأمرين وعدهم هود عليه السلام ، أنهم لو تركوا عبادة الأصنام واشتغلوا بالاستغفار والتوبة فإن اللَّه تعالى يقوي حالهم في هذين المطلوبين ويزيدهم فيها درجات كثيرة ، ونقل أيضا أن اللَّه تعالى لما بعث هودا عليه السلام إليهم وكذبوه وحبس اللَّه عنهم المطر سنين وأعقم أرحام نسائهم فقال لهم هود : إن آمنتم باللَّه أحيا اللَّه بلادكم ورزقكم المال والولد ، فذلك قوله :
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
والمدرار الكثير الدر وهو من أبنية المبالغة وقوله :
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ
ففسروا هذه القوة بالمال والولد ، والشدة في الأعضاء ، لأن كل ذلكم ما يتقوى به الإنسان . فإن قيل : حاصل الكلام هو أن هودا عليه السلام قال : لو اشتغلتم بعبادة اللَّه تعالى لانفتحت عليكم أبواب الخيرات الدنيوية ، وليس الأمر كذلك ، لأنه عليه الصلاة والسلام قال : « خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل » فكيف الجمع بينهما ، وأيضا فقد جرت عادة القرآن بالترغيب في الطاعات بسبب ترتيب الخيرات الدنيوية والأخروية عليها ، فأما الترغيب في الطاعات ، لأجل ترتيب الخيرات الدنيوية عليها ، فذلك لا يليق بالقرآن بل هو طريق مذكور في التوراة . الجواب : أنه لما أكثر الترغيب في السعادات الأخروية لم يبعد الترغيب أيضا في خير الدنيا بقدر الكفاية . وأما قوله :
وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
فمعناه : لا تعرضوا عني وعما أدعوكم إليه وأرغبكم فيه مجرمين أي مصرين على إجرامكم وآثامكم .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 53 إلى 56 ]

قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 53 ) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 54 ) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ( 55 ) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) اعلم أنه تعالى لما حكى عن هود عليه السلام ما ذكره للقوم ، حكى أيضا ما ذكره القوم له وهو أشياء : أولها : قولهم :
ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ
أي بحجة ، والبينة سميت بينة لأنها تبين الحق من الباطل ، ومن المعلوم أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزات إلا أن القوم بجهلهم أنكروها ، وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات . وثانيها : قولهم :
وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ
وهذا أيضا ركيك ، لأنهم / كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو اللَّه تعالى وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر ، ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل أنه لا تجوز عبادتها وتركهم آلهتهم لا يكون عن مجرد قوله بل عن حكم نظر العقل وبديهة النفس . وثالثها : قوله :
وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
وهذا يدل على الإصرار والتقليد والجحود . ورابعها : قولهم :
إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ
يقال : اعتراه كذا إذا غشيه وأصابه . والمعنى : أنك شتمت آلهتنا فجعلتك مجنونا وأفسدت عقلك ، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ذلك قال هود عليه السلام :
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ
وهو ظاهر . ثم قال :
فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ
وهذا نظير ما قاله نوح عليه السلام لقومه :
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ
إلى قوله :
وَلا تُنْظِرُونِ
[ يونس : 71 ] .