الْقِيامَةِ
أي جعل اللعن رديفا لهم ، ومتابعا ومصاحبا في الدنيا وفي الآخرة ، ومعنى اللعنة الإبعاد من رحمة اللَّه تعالى ومن كل خير .
ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة بهم فقال :
أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ
قيل : أراد كفروا بربهم فحذف الباء ، وقيل : الكفر هو الجحد فالتقدير : ألا إن عادا جحدوا ربهم . وقيل : هو من باب حذف المضاف أي كفروا نعمة ربهم .
ثم قال :
أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ
وفيه سؤالان :
السؤال الأول : اللعن هو البعد ، فلما قال :
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ
فما الفائدة في قوله :
أَلا بُعْداً لِعادٍ
.
والجواب : التكرير بعبارتين مختلفتين يدل على غاية التأكيد .
السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله :
لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ
.
الجواب : كان عاد عادين ، فالأولى : القديمة هم قوم هود ، والثانية : هم إرم ذات العماد ، فذكر ذلك لإزالة الاشتباه . والثاني : أن المبالغة في التنصيص تدل على مزيد التأكيد .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 61 إلى 62 ]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ( 61 ) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 62 )
اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة وهي قصة صالح مع ثمود ، ونظمها مثل النظم المذكور في قصة هود ، إلا أن هاهنا لما أمرهم بالتوحيد ذكر في تقريره دليلين :
الدليل الأول : قوله :
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
وفيه وجهان :
الوجه الأول : أن الكل مخلوقون من صلب آدم ، وهو كان مخلوقا من الأرض . وأقول : هذا صحيح لكن فيه وجه آخر وهو أقرب منه ، وذلك لأن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني إنما تولد من الدم ، فالإنسان مخلوق من الدم ، والدم إنما تولد من الأغذية ، وهذه الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، والحيوانات حالها كحال الإنسان ، فوجب انتهاء الكل إلى النبات وظاهر أن تولد النبات من الأرض ، فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض .
والوجه الثاني : أن تكون كلمة ( من ) معناها في التقدير : أنشأكم في الأرض ، وهذا ضعيف لأنه متى أمكن حمل الكلام على ظاهره فلا حاجة إلى صرفه عنه ، وأما تقرير أن تولد الإنسان من الأرض كيف يدل على وجود الصانع فقد شرحناه مرارا كثيرة .
الدليل الثاني : قوله :
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها
وفيه ثلاثة أوجه : الأول : جعلكم عمارها ، قالوا : كان ملوك فارس قد أكثروا في حفر الأنهار وغرس الأشجار ، لا جرم حصلت لهم الأعمار الطويلة فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه ، ما سبب تلك الأعمار ؟ فأوحى اللَّه تعالى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي ، وأخذ معاوية