أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله ، وأكثر بلاد الترك أيضا كذلك ، وأنما الشأن في عبادة الأوثان ، فإنها آفة عمت أكثر أطراف الأرض وهكذا الأمر كان في الزمان القديم ، أعني زمان نوح وهود وصالح عليهم السلام ، فهؤلاء الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم ، كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام ، فكان قوله :
اعْبُدُوا اللَّهَ
معناه لا تعبدوا غير اللَّه والدليل عليه أنه قال عقيبه :
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
وذلك يدل على أن المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام .
وأما قوله :
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
فقرىء
غَيْرُهُ
بالرفع صفة على محل الجار والمجرور ، وقرئ بالجر صفة على اللفظ .
ثم قال :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ
يعني أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام تحسن عبادتها ، أو في قولكم إنها تستحق العبادة ، وكيف لا يكون هذا كذبا وافتراء وهي جمادات لا حس لها ولا إدراك ، والإنسان هو الذي ركبها وصورها فكيف يليق بالإنسان الذي صنعها أن يعبدها وأن يضع الجبهة على التراب تعظيما لها ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام لما أرشدهم إلى التوحيد ومنعهم عن عبادة الأوثان قال : و
يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي
وهو عين ما ذكره نوح عليه السلام ، وذلك لأن الدعوة إلى اللَّه تعالى إذا كانت مطهرة عن دنس الطمع ، قوي تأثيرها في القلب .
ثم قال :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
يعني أفلا تعقلون أني مصيب في المنع من عبادة الأصنام ، وذلك لأن العلم بصحة هذا المنع ، كأنه مركوز في بدائه العقول .
[ سورة هود ( 11 ) : آية 52 ]
وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ( 52 )
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التكاليف التي ذكرها هود عليه السلام لقومه ، وذلك لأنه في المقام الأول دعاهم إلى التوحيد ، وفي هذا المقام دعاهم إلى الاستغفار ثم إلى التوبة ، والفرق بينهما قد تقدم في أول هذه السورة . قال أبو بكر الأصم : استغفروا : أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شرككم ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى وبالعزم على أن لا تعدوا إلى مثله ؛ ثم
إنه عليه السلام قال : « إنكم متى فعلتم ذلك فاللَّه تعالى يكثر النعم عندكم ويقويكم على الانتفاع بتلك النعم »
وهذا غاية ما يراد من السعادات ، فإن النعم إن لم تكن حاصلة تعذر الانتفاع وإن كانت حاصلة ، إلا أن الحيوان قام به المنع من الانتفاع بها لم يحصل المقصود أيضا ، أما إذا كثرت النعمة وحصلت القوة الكاملة على الانتفاع بها ، فههنا تحصل غاية السعادة والبهجة فقوله تعالى :
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
إشارة إلى تكثير النعم لأن مادة حصول النعم هي الأمطار الموافقة ، وقوله :
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ
إشارة إلى كمال حال القوى التي بها يمكن الانتفاع بتلك النعمة ، ولا شك أن هذه الكلمة جامعة في البشارة بتحصيل السعادات وأن الزيادة عليها ممتنعة في صريح العقل ، ويجب على العاقل أن يتأمل في هذه اللطائف ليعرف ما في هذا الكتاب الكريم من الأسرار المخفية ، وأما المفسرون فإنهم قالوا القوم كانوا مخصوصين في الدنيا بنوعين من الكمال : أحدهما : أن بساتينهم ومزارعهم كانت في غاية الطيب والبهجة ، والدليل عليه قوله :
إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
[ الفجر : 7 ، 8 ] والثاني : أنهم كانوا في غاية القوة والبطش ولذلك قالوا :
مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
[ فصلت : 15 ] ، ولما كان القوم مفتخرين على سائر الخلق