تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
والقيد الرابع : قوله :
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
وفيه مسائل : المسألة الأولى : الواو في قوله :
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ
حرف عطف وفي المعطوف عليه وجهان : الأول : أن قوله :
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ
قائم مقام قوله وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ
الثاني : أن قوله :
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ
قائم مقام قوله :
وَأُمِرْتُ
بإقامة الوجه ، فصار التقدير وأمرت بأن أكون من المؤمنين وبإقامة الوجه للدين حنيفا . المسألة الثانية : إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكلية إلى طلب الدين ، لأن من يريد أن ينظر إلى شيء نظرا بالاستقصاء ، فإنه يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يصرفه عنه لا بالقليل ولا بالكثير ، لأنه لو صرفه عنه ، ولو بالقليل فقد بطلت تلك المقابلة ، وإذا بطلت تلك المقابلة ، فقد اختل الأبصار ، فلهذا السبب حسن جعل إقامة الوجه للدين كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين ، وقوله :
حَنِيفاً
أي مائلا إليه ميلا كليا معرضا عما سواه إعراضا كليا ، وحاصل هذا الكلام هو الإخلاص التام ، وترك الالتفات إلى غيره ، فقوله أولا :
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
إشارة إلى تحصيل أصل الإيمان ، وقوله :
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
إشارة إلى الاستغراق في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه . والقيد الخامس : قوله :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
. واعلم أنه لا يمكن أن يكون هذا نهيا عن عبادة الأوثان ، لأن ذلك صار مذكورا بقوله تعالى في هذه الآية :
فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
فوجب حمل هذا الكلام على فائدة زائدة وهو أن من عرف مولاه ، فلو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركا ، وهذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي . والقيد السادس : قوله تعالى :
وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ
والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود بإيجاد الحق ، وإذا كان كذلك فما سوى الحق فلا وجود له إلا إيجاد الحق ، وعلى هذا التقدير فلا نافع إلا الحق ولا ضار إلا الحق ، فكل شيء هالك إلا وجهه وإذا كان كذلك ، فلا حكم إلا للَّه ولا رجوع في الدارين إلا إلى اللَّه . ثم قال في آخر الآية :
فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ
يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير اللَّه فأنت من الظالمين ، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، فإذا كان ما سوى / الحق معزولا عن التصرف ، كانت إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعا للشيء في غير موضعه فيكون ظلما . فإن قيل : فطلب الشبع من الأكل والري من الشرب هل يقدح في ذلك الإخلاص ؟ قلنا : لا لأن وجود الخبز وصفاته كلها بإيجاد اللَّه وتكوينه ، وطلب الانتفاع بشيء خلقه اللَّه للانتفاع به لا يكون منافيا للرجوع بالكلية إلى اللَّه ، إلا أن شرط هذا الإخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه الموجودات إلا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها وموجودة بإيجاد الحق وهالكة بأنفسها وباقية بإبقاء الحق ، فحينئذ يرى ما سوى الحق عدما محضا بحسب أنفسها ويرى نور وجوده وفيض إحسانه عاليا على الكل .

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 107 ]

وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 107 )