إلا بتخليقه وتكوينه والرجس الذي يقابل الإيمان ليس إلا الكفر ، فثبت دلالة هذه الآية على أن الكفر والإيمان من اللَّه تعالى .
أجاب أبو علي الفارسي النحوي عنه فقال : الرجس ، يحتمل وجهين آخرين : أحدهما : أن يكون المراد منه العذاب ، فقوله :
وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
أي يلحق العذاب بهم كما قال :
وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ
[ الفتح : 6 ] والثاني : أنه تعالى يحكم عليهم بأنهم رجس كما قال :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
[ التوبة : 28 ] والمعنى أن الطهارة الثابتة للمسلمين لم تحصل لهم .
والجواب : أنا قد بينا بالدليل العقلي أن الجهل لا يمكن أن يكون فعلا للعبد لأنه لا يريده ولا يقصد إلى تكوينه ، وإنما يريد ضده ، وإنما قصد إلى تحصيل ضده ، فلو كان به لما حصل إلا ما قصده وأوردنا السؤالات على هذه الحجة وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب . وأما حمل الرجس على العذاب ، فهو باطل ، لأن الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره ، فحمل هذا اللفظ على جهلهم وكفرهم أولى من حمله على عذاب اللَّه مع كونه حقا صدقا صوابا ، وأما حمل لفظ الرجس على حكم اللَّه برجاستهم ، فهو في غاية البعد ، لأن حكم اللَّه تعالى بذلك صفته ، فكيف يجوز أن يقال إن صفة اللَّه رجس ، فثبت أن الحجة التي ذكرناها ظاهرة .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 101 ]
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 )
[ في قوله تعالى
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
] في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة
قُلِ انْظُرُوا
بكسر اللام لالتقاء الساكنين والأصل فيه الكسر ، والباقون بضمها نقلوا حركة الهمزة إلى اللام .
المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات السالفة أن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق اللَّه تعالى ومشيئته ، أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
.
واعلم أن هذا يدل على مطلوبين : الأول : أنه لا سبيل إلى معرفة اللَّه تعالى إلا بالتدبر في الدلائل كما
قال عليه الصلاة والسلام : « تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخلق »
والثاني : وهو أن الدلائل إما أن تكون من عالم السماوات أو من عالم الأرض ، أما الدلائل السماوية ، فهي حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب ، وما يختص به كل وأحد منها من المنافع والفوائد ، وأما الدلائل الأرضية ، فهي النظر في أحوال العناصر العلوية ، وفي أحوال المعادن وأحوال النبات وأحوال الإنسان خاصة ، ثم ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع لا نهاية لها . ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة اللَّه سبحانه في تخليق جناح بعوضة لا نقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد . ولا شك أن اللَّه سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد ، فلهذا السبب ذكر قوله :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ولم يذكر التفصيل ، فكأنه تعالى نبه على القاعدة الكلية ، حتى إن العاقل يتنبه لأقسامها وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل وأحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية ، ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل بين