لقتال هوازن وثقيف . واختلفوا في عدد عسكر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم فقال عطاء عن ابن عباس : كانوا ستة عشر ألفاً ، وقال قتادة : كانوا اثني عشر ألفا عشر آلاف الذين حضروا مكة ، وألفان من الطلقاء . وقال الكلبي : كانوا عشرة آلاف وبالجملة فكانوا عدداً كثيرين ، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف ، فلما التقوا قال رجل من المسلمين :
لن تغلب اليوم من قلة ، فهذه الكلمة ساءت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم وهي المراد من قوله :
إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
وقيل إنه قالها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وقيل قالها أبو بكر وإسناد هذه الكلمة إلى رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلّم بعيد ، لأنه كان في أكثر الأحوال متوكلا على اللَّه منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها .
ثم قال تعالى :
فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً
ومعنى الإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة فقوله :
فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً
أي لم تعطكم شيئا يدفع حاجتكم والمقصود من هذا الكلام أن اللَّه تعالى أعلمهم أنهم لا يغلبون بكثرتهم ، وإنما يغلبون بنصر اللّه ، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين ، وقوله :
وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ
يقال رحب يرحب رحبا ورحابة ، فقوله :
بِما رَحُبَتْ
أي يرحبها ، ومعناه مع رحبها « فما » هنا مع الفعل بمنزلة المصدر ، والمعنى : أنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها موضعا يصلح لفراركم عن عدوكم . قال البراء بن عازب : كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام وانكشف المسلمون عن رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث
قال البراء : والذي لا إله إلا هو ما ولى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم دبره قط ، قال : ورأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب ، والعباس آخذ بلجام دابته وهو يقول : « أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب » وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي ، وكانت بغلته شهباء ، ثم قال للعباس : ناد المهاجرين والأنصار ، وكان العباس رجلا صيتا ، فجعل ينادي يا عباد اللَّه يا أصحاب الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، فجاء / المسلمون حين سمعوا صوته عنقا واحدا ، وأخذ رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلّم بيده كفا من الحصى فرماهم بها وقال : « شاهت الوجوه » فما زال أمرهم مدبرا ، وحدهم كليلا حتى هزمهم اللَّه تعالى ، ولم يبق منهم يومئذ أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب ،
فذلك قوله :
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
.
واعلم أنه تعالى لما بين أن الكثرة لا تنفع ، وأن الذي أوجب النصر ما كان إلا من اللَّه ذكر أمورا ثلاثة :
أحدها : إنزال السكينة والسكينة ما يسكن إليه القلب والنفس ، ويوجب الأمنة والطمأنينة ، وأظن وجه الاستعارة فيه أن الإنسان إذا خاف فر وفؤاده متحرك ، وإذا أمن سكن وثبت ، فلما كان الأمن موجبا للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن .
واعلم أن قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي ، ويدل على أن حصول الداعي ، ليس إلا من قبل اللّه تعالى .
أما بيان الأول : فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون والثبات في قلوبهم ، فلا جرم لم يحصل السكون والثبات ، بل فر القوم وانهزموا ولما حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون والثبات رجعوا إلى رسول اللّه على الصلاة والسلام ، وثبتوا عنده وسكنوا فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف على حصول الداعية .
وأما بيان الثاني : وهو أن حصول تلك الداعية من اللّه تعالى فهو صريح .