تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
من الرحمة والكرامة . أولها : أن البشارة لا تكون إلّا بالرحمة والإحسان . والثاني : أن بشارة كل أحد يجب أن تكون لائقة بحاله ، فلما كان المبشر هاهنا هو أكرم الأكرمين ، وجب أن تكون البشارة بخيرات تعجز العقول عن وصفها وتتقاصر الأفهام عن نعتها . والثالث : أنه تعالى سمى نفسه هاهنا بالرب وهو مشتق من التربية كأنه قال : الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها ولا حصر لها يبشركم بخيرات عالية وسعادات كاملة . والرابع : أنه تعالى قال :
رَبُّهُمْ
فأضاف نفسه إليهم ، وما أضافهم إلى نفسه . والخامس : أنه تعالى قدم ذكرهم على ذكب نفسه فقال :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ
والسادس : أن البشارة هي الإخبار عن حدوث / شيء ما كان معلوم الوقوع ، أما لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة ، ألا ترى أن الفقهاء قالوا ، لو أن رجلا قال من يبشرني من عبيدي بقدوم ولدي فهو حر ، فأول من أخبر بذلك الخبر يعتق ، والذين يخبرون بعده لا يعتقون وإذا كان الأمر كذلك فقوله :
يُبَشِّرُهُمْ
لا بد أن يكون إخبارا عن حصول مرتبة من مراتب السعادات ما عرفوها قبل ذلك ، وجميع لذات الجنة وخيراتها وطيباتها قد عرفوه في الدنيا من القرآن ، والإخبار عن حصول بشارة فلا بد وأن تكون هذه البشارة بشارة عن سعادات لا تصل العقول إلى وصفها البتة . رزقنا اللّه تعالى الوصول إليها بفضله وكرمه . واعلم أنه تعالى لما قال :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ
بين الشيء الذي به يبشرهم وهو أمور : أولها : قوله :
بِرَحْمَةٍ مِنْهُ
وثانيها : قوله :
وَرِضْوانٍ
وأنا أظن والعلم عند اللّه أن المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله :
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
[ الفجر : 28 ] والرحمة كون العبد راضيا بقضاء اللّه وذلك لأن من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النعمة والبلاء ، ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغير حاله ، لأن المبلي والمنعم منزه عن التغير فالحاصل أن حاله يجب أن يكون منزها عن التغير ، أما من كان طالبا لمحض النفس كان أبدا في التغير من الفرح إلى الحزن ، ومن السرور إلى الغم ، ومن الصحة إلى الجراحة ، ومن اللذة إلى الألم ، فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل إلا عندما يصير العبد راضيا بقضاء اللّه فقوله :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ
هو أنه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة ، ويجعله راضيا بقضائه . ثم إنه تعالى يصير راضيا وهو قوله :
وَرِضْوانٍ
وعند هذا تصير هاتان الحالتان هما المذكورتان في قوله :
راضِيَةً مَرْضِيَّةً
وهذه هي الجنة الروحانية النوانية العقلية القدسية الإلهية . ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنة العالية المقدسة ذكر الجنة الجسمانية ، وهي قوله :
وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ خالِدِينَ فِيها أَبَداً
وقد سبق شرح هذه المراتب ، ولما ذكر هذه الأحوال قال :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
والمقصود شرح تعظيم هذه الأحوال ، ولنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون إن الخلود يدل على طول المكث ، ولا يدل على التأبيد ، واحتجوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية ، وهي قوله تعالى :
خالِدِينَ فِيها أَبَداً
ولو كان الخلود يفيد التأبيد ، لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكرارا وأنه لا يجوز .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 23 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أن يكون جوابا عن شبهة أخرى ذكروها في أن البراءة من الكفار غير