تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
على مثال المرآة المشرقة المتقابلة . فلهذا السبب فإن من أراد أن يقرأ وظيفة على أستاذه فالأدب أن يبدأ بحمد اللّه والثناء على الملائكة والأنبياء ، ثم يدعو لأستاذه ثم يشرع في القراءة ، والمقصود منها أن يقوي التعلق بين روحه وبين هذه الأرواح المقدسة الطاهرة ، حتى أن بسبب قوة ذلك التعلق ربما ظهر شيء من أنوارها وآثارها في روح هذا الطالب ، فيستقر في عقله من الأنوار الفائضة منها ، ويقوي روحه بمدد ذلك الفيض على إدراك المعارف والعلوم . إذا عرفت هذا فإذا قال لغيره : « سلام عليكم » حدث بينهما تعلق شديد ، وحصل بسبب ذلك التعلق تطابق الأرواح وتعاكس الأنوار ، ولنكتف / بهذا القدر في هذا الباب ، فإنا قد ذكرنا أن هذا الفصل أجنبي عن هذا الكلام . واللّه أعلم . المسألة السادسة : قوله :
إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
قال الواحدي : السكن في اللغة ما سكنت إليه ، والمعنى : أن صلاتك عليهم توجب سكون نفوسهم إليك ، وللمفسرين عبارات : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : دعاؤك رحمة لهم . وقال قتادة : وقار لهم . وقال الكلبي : طمأنينة لهم ، وقال الفراء : إذا استغفرت لهم سكنت نفوسهم إلى أن اللّه تعالى قبل توبتهم . وأقول : إن روح محمد عليه السلام كانت روحا قوية مشرقة صافية باهرة ، فإذا دعا محمد لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم ، فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم ، وانتقلوا من الظلمة إلى النور ، ومن الجسمانية إلى الروحانية ، وتقريره ما تقدم في المسألة الخامسة . ثم قال :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
لقولهم :
عَلِيمٌ
بنياتهم .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 104 ]

أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 104 ) واعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم الذين تقدم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم تصدقوا وهناك لم يذكر إلا قوله :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
وما كان ذلك صريحا في قبول التوبة ذكر في هذه الآية أنه يقبل التوبة وأنه يأخذ الصدقات ، والمقصود ترغيب من لم يتب في التوبة ، وترغيب كل العصاة في الطاعة . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال أبو مسلم قوله :
أَ لَمْ يَعْلَمُوا
وإن كان بصيغة الاستفهام ، إلا أن المقصود منه التقرير في النفس ، ومن عادة العرب في إيهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا : أما علمت أن من علمك يجب عليك خدمته . أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره ، فبشر اللّه تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم . ثم زاده تأكيدا بقوله :
هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
. المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : قرئ
أَ لَمْ يَعْلَمُوا
بالياء والتاء ، وفيه وجهان : الأول : أن يكون المراد من هذه الآية هؤلاء الذين تابوا يعني
أَ لَمْ يَعْلَمُوا
قبل أن يتاب عليهم / وتقبل صدقاتهم ، أن اللّه يقبل التوبة الصحيحة ، ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية ، والثاني : أن يكون المراد من هذه الآية غير التائبين ترغيبا لهم في التوبة . روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما حكم بصحة توبتهم قال : « الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم » فنزلت هذه الآية .