ثم قال تعالى :
وَتُزَكِّيهِمْ
واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب حصول المغايرة ، فقيل : التزكية مبالغة في التطهير ، وقيل : التزكية بمعنى الإنماء ، والمعنى : أنه تعالى يجعل / النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سببا للإنماء ، وقيل : الصدقة تطهرهم عن نجاسة الذنب والمعصية ، والرسول عليه السلام يزكيهم ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء .
ثم قال تعالى :
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم
إِنَّ صَلاتَكَ
بغير واو وفتح التاء على التوحيد ، والمراد منه الجنس ، وكذلك في سورة هود
أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ
بغير واو وعلى التوحيد ، والباقون صلواتك وكذلك في هود على الجمع ، قال أبو عبيدة : والقراءة الأولى أولى لأن الصلاة أكثر . ألا ترى أنه قال :
أَقِيمُوا الصَّلاةَ *
والصلوات جمع قلة ، تقول ثلاث صلوات وخمس صلوات ، قال أبو حاتم : هذا غلط لأن بناء الصلوات ليس للقلة لأنه تعالى قال :
ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[ لقمان : 27 ] ولم يرد القليل وقال :
وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ
[ سبأ : 37 ] وقال :
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ
[ الأحزاب : 35 ] .
المسألة الثانية : احتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية ، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات ، ثم أمره بأن يصلي عليهم وذكر أن صلاته سكن لهم ، فكان وجوب الزكاة مشروطا بحصول ذلك السكن ، ومعلوم أن غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن . فوجب أن لا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام ، واعلم أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت على أن الزكاة إنما وجبت دفعا لحاجة الفقير كما في قوله :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ
[ التوبة : 60 ] وكما في قوله :
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
[ الذاريات : 19 ] .
المسألة الثالثة : لا شك أن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء ، فإذا قلنا صلى فلان على فلان ، أفاد الدعاء بحسب اللغة الأصلية . إلا أنه صار بحسب العرف يفيد أنه قال له اللهم صل عليه ، فلهذا السبب اختلف المفسرون ، فنقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : معناه ادع لهم ، قال الشافعي رحمه اللّه : والسنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول : آجرك اللّه فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت ، وقال آخرون : معناه أن يقول اللهم صل على فلان ،
ونقلوا عن النبي عليه الصلاة والسلام ، أن آل أبي أوفى لما أتوه بالصدقة قال :
« اللهم صل على آل أبي أوفى »
و
نقل القاضي في « تفسيره » عن الكعبي في « تفسيره » أنه قال علي لعمر وهو مسجى عليك الصلاة والسلام ،
ومن الناس من أنكر ذلك ، ونقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد إلا في حق النبي عليه الصلاة والسلام .
المسألة الرابعة : أن أصحابنا يمنعون من ذكر صلوات اللّه عليه وعليه الصلاة والسلام إلا في حق الرسول ، والشيعة يذكرونه في علي وأولاده ، واحتجوا عليه بأن نص القرآن دل على أن / هذا الذكر جائز في حق من يؤدي الزكاة ، فكيف يمنع ذكره في حق علي والحسن والحسين رضي اللّه عنهم ؟ ورأيت بعضهم قال : أليس أن الرجل إذا قال سلام عليكم يقال له وعليكم السلام ؟ فدل هذا على أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين ، فكيف يمتنع ذكره في حق آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ قال القاضي : إنه جائز في حق الرسول عليه الصلاة والسلام ، والدليل عليه
أنهم قالوا : يا رسول اللّه قد عرفنا السلام عليك ، فكيف الصلاة