تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
الحكم الثاني قوله :
وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ
وقوله :
أَجْدَرُ
أي أولى وأحق ، وفي الآية حذف ، والتقدير : وأجدر بأن لا يعلموا . وقيل في تفسير حدود ما أنزل اللّه مقادير التكاليف والأحكام . وقيل : مراتب أدلة العدل والتوحيد والنبوة والمعاد
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بما في قلوب خلقه
حَكِيمٌ
فيما فرض من فرائضه . ثم قال :
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً
[ إلى آخر الآية ] والمغرم مصدر كالغرامة ، والمعنى : أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل اللّه غرامة وخسران ، وإنما يعتقد ذلك لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء ، لا لوجه اللّه وابتغاء ثوابه
وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ
يعني الموت والقتل ، أي ينتظر أن تنقلب الأمور عليكم بموت الرسول ، ويظهر عليكم المشركون . ثم إنه أعاده إليهم فقال :
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
والدائرة يجوز أن تكون واحدة ، ويجوز أن تكون صفة غالبة ، وهي إنما تستعمل في آفة تحيط بالإنسان كالدائرة ، بحيث لا يكون له منها مخلص ، وقوله :
السَّوْءِ
قرئ بفتح / السين وضمه . قال الفراء : فتح السين هو الوجه ، لأنه مصدر قولك : ساء يسوء سوأ أو مساءة ومن ضم السين جعله اسما ، كقولك : عليهم دائرة البلاء والعذاب ، ولا يجوز ضم السين في قوله :
ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ
[ مريم : 28 ] ولا في قوله :
وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ
[ الفتح : 12 ] وإلا لصار التقدير : ما كان أبوك امرأ عذاب ، وظننتم ظن العذاب ، ومعلوم أنه لا يجوز ، وقال الأخفش وأبو عبيد : من فتح السين ، فهو كقولك : رجل سوء ، وامرأة سوء . ثم يدخل الألف واللام . فيقول : رجل السوء وأنشد الأخفش :
وكنت كذئب السوء لما رأى دما * بصاحبه يوما أحال على الدم
ومن ضم السين أراد بالسوء المضرة والشر والبلاء والمكروه ، كأنه قيل : عليهم دائرة الهزيمة والمكروه ، وبهم يحيق ذلك . قال أبو علي الفارسي : لو لم تضف الدائرة إلى السوء أو السوء عرف منها معنى السوء ، لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه . إذا عرفت هذا فنقول : المعنى يدور عليهم البلاء والحزن ، فلا يرون في محمد عليه الصلاة والسلام ودينه إلا ما يسوءهم . ثم قال :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
لقولهم :
عَلِيمٌ
بنياتهم .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 99 ]

وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 ) اعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل اللّه مغرما ، بين أيضا أن فيهم قوما مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل اللّه مغنما . واعلم أنه تعالى وصف هذا الفريق بوصفين : فالأول : كونه مؤمنا باللّه واليوم الآخر ، والمقصود التنبيه على أنه لا بد في جميع الطاعات من تقدم الإيمان ، وفي الجهاد أيضا كذلك . والثاني : كونه بحيث يتخذ ما ينفقه قربات عند اللّه وصلوات الرسول ، وفيه بحثان : الأول : قال الزجاج : يجوز في القربات ثلاثة أوجه ، ضم