والرواية الثالثة :
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : سألوه أن يحملهم على الدواب فقال عليه السلام : « لا أجد ما أحملكم عليه »
لأن الشقة بعيدة . والرجل يحتاج إلى بعيرين ، بعير يركبه وبعير يحمل عليه ماءه وزاده .
قال صاحب « الكشاف » : قوله :
تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً
كقولك : تفيض دمعا ، وهو أبلغ من يفيض دمعها ، لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 93 إلى 94 ]
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 93 ) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 94 )
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال في الآية الأولى :
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
قال في هذه / الآية إنما السبيل على من كان كذا وكذا ، ثم الذين قالوا في الآية الأولى المراد
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
في أمر الغزو والجهاد ، وأن نفي السبيل في تلك الآية مخصوص بهذا الحكم . قالوا : السبيل الذي نفاه عن المحسنين ، هو الذي أثبته في هؤلاء المنافقين ، وهو الذي يختص بالجهاد ، والمعنى : أن هؤلاء الأغنياء الذين يستأذنونك في التخلف سبيل اللّه عليهم لازم ، وتكليفه عليهم بالذهاب إلى الغزو متوجه ، ولا عذر لهم البتة في التخلف .
فإن قيل : قوله :
رَضُوا
ما موقعه ؟
قلنا : كأنه استئناف ، كأنه قيل : ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء . فقيل : رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف
وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
يعنى أن السبب في نفرتهم عن الجهاد ، هو أن اللّه طبع على قلوبهم ، فلأجل ذلك الطبع لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا .
ثم قال :
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ
علة للمنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولا . فإذا علم بأن القوم يكذبونه فيه ، وجب عليه تركه . وقوله :
قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ
علة لانتفاء التصديق ، لأنه تعالى لما أطلع رسوله على ما في ضمائرهم من الخبث والمكر والنفاق ، امتنع أن يصدقهم الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الأعذار .
ثم قال :
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
والمعنى أنهم كانوا يظهرون من أنفسهم عند تقرير تلك المعاذير حبا للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين وشفقة عليهم ورغبة في نصرتهم ، فقال تعالى :
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
أنكم هل تبقون بعد ذلك على هذه الحالة التي تظهرونها من الصدق والصفاء ، أو لا تبقون عليها ؟
ثم قال :
ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
.
فإن قيل : لما قال :
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
فلم لم يقل ، ثم تردون إليه ، وما الفائدة من قوله :
ثُمَّ
.