يأمر بالمنكر ، وينهى عن المعروف ، والمؤمن بالضد منه . والمنافق لا يقوم إلى الصلاة إلا مع نوع من الكسل والمؤمن بالضد منه . والمنافق يبخل بالزكاة وسائر الواجبات كما قال :
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ
والمؤمنون يؤتون الزكاة ، والمنافق إذا أمره اللّه ورسوله بالمسارعة إلى الجهاد فإنه يتخلف بنفسه ويثبط غيره كما وصفه اللّه بذلك ، والمؤمنون بالضد منهم . وهو المراد في هذه الآية بقوله :
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
ثم لما ذكر صفات المؤمنين بين أنه كما وعد المنافقين نار جهنم فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة ، فلذلك قال :
أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ
وذكر حرف السين في قوله :
سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ
للتوكيد والمبالغة كما تؤكد الوعيد في قولك سأنتقم منك يوما ، يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك ، ونظيره
سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
[ مريم : 96 ]
لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
[ الضحى : 5 ]
سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ
[ النساء : 152 ] .
ثم قال :
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو من لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة ، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 72 ]
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 72 )
اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد في الآية الأولى على سبيل الإجمال ذكره في هذه الآية على سبيل التفصيل ، وذلك لأنه تعالى وعد بالرحمة ، ثم بين في هذه الآية أن تلك الرحمة هي هذه الأشياء . فأولها قوله :
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها
والأقرب أن يقال إنه تعالى أراد بها البساتين التي يتناولها المناظر لأنه تعالى قال بعده :
وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ
والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه ، فتكون مساكنهم في جنات عدن ، ومناظرهم الجنات التي هي البساتين ، فتكون فائدة وصفها بأنها عدن ، أنها تجري مجرى الدار التي يسكنها الإنسان . وأما الجنات الآخرة فهي جارية مجرى البساتين التي قد يذهب الإنسان إليها لأجل التنزه وملاقاة الأحباب . وثانيها : قوله :
وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ
قد كثر كلام أصحاب الآثار في صفة جنات عدن .
قال الحسن : سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن قوله :
وَمَساكِنَ طَيِّبَةً
فقالا : على الخبير سقطت ، سألنا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « هو قصر في الجنة من اللؤلؤ ، فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء ، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء ، في كل بيت سبعون سريرا ، على كل سرير سبعون فراشا ، على كل فراش زوجة من الحور العين ، في كل بيت سبعون مائدة ، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام ، وفي كل بيت سبعون وصيفة ، يعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك أجمع »
وعن ابن عباس أنها دار اللّه التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر . وأقول لعل ابن عباس قال : إنها دار المقربين عند اللّه فإنه كان أعلم باللّه من أن يثبت له دارا ،
وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قلت يا رسول اللّه حدثني عن الجنة ما بناؤها فقال : « لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك الأذفر وترابها الزعفران وحصاؤها الدر والياقوت . فيها النعيم بلا بؤس والخلود بلا موت ، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه »
وقال ابن مسعود : / جنات عدن بطنان الجنة ، قال الأزهري : بطنانها وسطها ، وبطنان الأودية المواضع التي يستنفع فيها ماء السيل واحدها بطن ، وقال عطاء عن ابن عباس : هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء