تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
قال ذلك لأنه أتاهم نبأ هؤلاء تارة ، بأن سمعوا هذه الأخبار من الخلق ، وتارة لأجل أن / بلاد هذه الطوائف ، وهي بلاد الشام ، قريبة من بلاد العرب ، وقد بقيت آثارهم مشاهدة ، وقوله :
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ
وإن كان في صفة الاستفهام إلا أن المراد هو التقرير ، أي أتاهم نبأ هؤلاء الأقوام . ثم قال :
أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ
وهو راجع إلى كل هؤلاء الطوائف . ثم قال :
بِالْبَيِّناتِ
أي بالمعجزات ولا بدّ من إضمار في الكلام ، والتقدير : فكذبوا فعجل اللّه هلاكهم . ثم قال :
فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
والمعنى : أن العذاب الذي أو صله اللّه إليهم ما كان ظلما من اللّه لأنهم استحقوه بسبب أفعالهم القبيحة ومبالغتهم في تكذيب أنبيائهم ، بل كانوا ظلموا أنفسهم ، قالت المعتزلة : دلت هذه الآية على أنه تعالى لا يصح منه فعل الظلم وإلا لما حسن التمدح به ، وذلك دل على أنه لا يظلم البتة ، وذلك يدل على أنه تعالى لا يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ، ودل على أن فاعل الظلم هو العبد ، وهو قوله :
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
وهذا الكلام قد مر ذكره في هذا الكتاب مرارا خارجة عن الإحصاء .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 71 ]

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 71 ) اعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة ، ثم ذكر عقيبه أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة ، ذكر بعده في هذه الآية كون المؤمنين موصوفين بصفات الخير وأعمال البر ، على ضد صفات المنافقين ، ثم ذكر بعده في هذه الآية أنواع ما أعد اللّه لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم ، فأما صفات المؤمنين فهي قوله :
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
. فان قيل : ما الفائدة في أنه تعالى قال في صفة المنافقين
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
وهاهنا قال في صفة المؤمنين :
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
فلم ذكر في المنافقين لفظ ( من ) وفي المؤمنين لفظ
أَوْلِياءُ
. قلنا : قوله في صفة المنافقين
بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
يدل على أن نفاق الأتباع ، كالأمر المتفرع على نفاق الأسلاف ، والأمر في نفسه كذلك ، لأن نفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر ، وبسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة ، أما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة ، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية ، فلهذا السبب قال تعالى في المنافقين :
بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
وقال في المؤمنين :
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
. واعلم أن الولاية ضد العداوة ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأصل في لفظ الولاية القرب ، ويتأكد ذلك بأن ضد الولاية هو العداوة ، ولفظة العداوة مأخوذة من عدا الشيء إذا جاوز عنه . واعلم أنه تعالى لما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض ، ذكر بعده ما يجري مجرى التفسير والشرح له فقال :
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فذكر هذه الأمور الخمسة التي بها يتميز المؤمن من المنافق ، فالمنافق على ما وصفه اللّه تعالى في الآية المتقدمة