تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
الإنسان أعلى حالا من خليفته ورد الإنسان من المنصب الأعلى إلى الأدون يكون إهانة . قلنا الأمر وان كان كما ذكرتم الا انه كان موسى عليه السلام هو الأصل في تلك النبوة . فان قيل : لما كان هارون نبيا والنبي لا يفعل الا الإصلاح فكيف وصاه بالإصلاح . قلنا : المقصود من هذا الأمر التأكيد كقوله :
وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة : 260 ] واللّه اعلم .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 143 ]

وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( 143 ) اعلم أنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها حضر موسى عليه السلام الميقات وهي ان كلمه ربه ، وفي الآية مسائل شريفة عالية من العلوم الإلهية . المسألة الأولى : دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في كلام اللّه تعالى فمنهم من قال : كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة ومنهم من قال : كلامه صفة حقيقة مغايرة للحروف والأصوات . اما القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون أنفقوا على أنه يجب كونه حادثا كائنا بعد ان لم يكن . وزعمت الحنابلة والحشوية ان الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم وهذا القول اخس من أن يلتفت العاقل اليه وذلك اني قلت يوما انه تعالى اما ان يتكلم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب والتوالي ، والأول : باطل لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة انما تكون مفهومة إذا كانت حروفها متوالية فاما إذا كانت حروفها توجد دفعة واحدة فذاك لا يكون مفيدا البتة ، والثاني : يوجب كونها حادثة لان الحروف إذا كانت متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول ، فالأول حادث لان كل ما ثبت عدمه امتنع قدمه والثاني حادث لان كل ما كان وجوده متأخرا عن وجود غيره فهو حادث فثبت انه بتقدير ان يكون كلام اللّه تعالى عبارة عن مجرد الحروف والأصوات محدث . إذا ثبت هذا فنقول للناس هاهنا مذهبان : الأول : ان محل تلك الحروف والأصوات الحادثة هو ذات اللّه تعالى وهو قول الكرامية . الثاني : ان محلها جسم مباين لذات اللّه تعالى كالشجرة وغير وهو قول المعتزلة . اما القول الثاني : وهو ان كلام اللّه تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات فهذا قول أكثر أهل السنة والجماعة . وتلك الصفة قديمة أزلية . والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الذي سمعه موسى عليه السلام . فقالت الأشعرية : ان موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية قالوا : وكما لا يتعذر رؤية ذاته مع أن ذاته ليست جسما ولا عرضا فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفا ولا صوتا . وقال أبو منصور الماتريدي : الذي سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة فاما الصفة الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت فداك ما سمعه موسى عليه السلام البتة فهذا تفصيل مذاهب الناس في سماع كلام اللّه تعالى . المسألة الثانية : اختلفوا في أنه تعالى كلم موسى وحده أو كلمه مع أقوام آخرين وظاهر الآية يدل على الأول . لان قوله تعالى :
وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ
يدل على تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر