تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
واما التأويل الثاني : وهو انه عليه السلام انما سال الرؤية لقومه لا لنفسه فهو أيضا فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : انه لو كان الأمر كذلك لقال موسى : أرهم ينظروا إليك ولقال اللّه تعالى : لن يروني فلما لم يكن كذلك بطل هذا التأويل . والثاني : انه لو كان هذا السؤال طلبا للمحال لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
[ الأعراف : 138 ] منعهم عنه بقوله :
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
[ الأعراف : 138 ] والثالث : انه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز رؤيته وان يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال فاما ان لا يذكر شيئا من تلك الدلائل البتة مع أن ذكرها كان فرضا مضيقا كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام وانه لا يجوز . والرابع : ان أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية اما ان يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام أو ما آمنوا بها فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل مجرد قول موسى عليه السلام فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام وان كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لا نسلم ان اللّه منع من الرؤية بل هذا قول افتريته على اللّه تعالى فثبت ان على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى عليه السلام
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
واما التأويل الثالث : فبعيد أيضا ويدل عليه وجوه : الأول : ان على هذا التقدير يكون معنى الآية أرني امرا انظر إلى أمرك ثم حذف المفعول والمضاف الا ان سياق الآية يدل على بطلان هذا وهو قوله :
أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : 143 ] فسوف تراني
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ
ولا يجوز ان يحمل جميع هذا على حذف المضاف . الثاني : انه تعالى أراه من الآية ما لا غاية بعدها كالعصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم واظلال الجبل فكيف يمكن بعد هذه الأحوال طلب آية ظاهرة قاهرة . والثالث : انه عليه السلام كان يتكلم مع اللّه بلا واسطة . ففي هذه الحالة كيف يليق به ان يقول : اظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على انك موجود ؟ ومعلوم ان هذا الكلام في غاية الفساد . الرابع : انه لو كان المطلوب آية تدل على وجوده لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات / ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك فثبت ان هذا القول فاسد . واما التأويل الرابع وهو ان يقال : المقصود منه اظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه ، فهو أيضا بعيد ، لأنه لو كان المراد ذلك ، لكان الواجب ان يقول : أريد يا الهي ان يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل ، وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرؤية . علمنا أن هذه التأويلات بأسرها فاسدة . الحجة الثانية : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على أنه تعالى جائز الرؤية وذلك لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال : لا أرى الا ترى انه لو كان في يد رجل حجر فقال له انسان ناولني هذا لأكله فإنه يقول له هذا لا يؤكل ولا يقول له لا تأكل . ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال له : لا تأكلها اي هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكله . فلما قال تعالى :
لَنْ تَرانِي
ولم يقل لا أرى علمنا أن هذا يدل على أنه تعالى في ذاته جائز الرؤية . الحجة الثالثة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية انه تعالى علق رؤيته على امر جائز والمعلق على الجائز جائز فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة . انما قلنا : انه تعالى علق رؤيته على امر جائز لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل بدليل قوله تعالى :
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
واستقرار الجبل امر جائز الوجود في نفسه فثبت انه تعالى علق رؤيته على امر جائز الوجود في نفسه .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 355 | فخر الدين الرازي