تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
نزولا بالريف . قال ابن جريج : كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول بيان قصة العجل . ثم حكى تعالى عنهم انهم
قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
واعلم أن من المستحيل ان يقول : العاقل لموسى : اجعل لنا الها كما لهم آلهة وخالقا ومدبرا لان الذي يحصل بجعل موسى وتقديره : لا يمكن ان يكون خالقا للعالم ومدبرا له ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل والأقرب انهم طلبوا من موسى عليه السلام ان يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى اللّه تعالى وهذا القول هو الذي حكاه اللّه تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] . إذا عرفت هذا فلقائل ان يقول : لم كان هذا القول كفرا ؟ فنقول : اجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير اللّه تعالى كفر سواء اعتقد في ذلك الغير كونه الها للعالم أو اعتقدوا فيه ان عبادته تقربهم إلى اللّه تعالى لان العبادة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق الا بمن يصدر عنه نهاية الانعام والإكرام . فان قيل : فهذا القول صدر من كل بني إسرائيل أو من بعضهم ؟ قلنا : بل من بعضهم لأنه كان مع موسى عليه السلام السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل . ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام انه أجابهم فقال :
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
وتقرير هذا الجهل ما ذكر ان العبادة غاية التعظيم فلا تليق الا بمن يصدر عنه غاية الانعام وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل وخلق الأشياء المنتفع بها والقادر على هذه الأشياء ليس الا اللّه تعالى فوجب ان لا تليق العبادة الا به . فان قالوا : إذا كان مرادهم بعبادة تلك الأصنام التقرب بها إلى تعظيم اللّه تعالى فما الوجه في قبح هذه العبادة ؟ قلنا : فعلى هذا التقدير : لم يتخذوها آلهة أصلا وانما جعلوها كالقبلة وذلك ينافي قولهم :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
واعلم أن ( ما ) في قوله :
كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
يجوز أن تكون مصدرية اي كما ثبت لهم آلهة ويجوز أن تكون موصولة وفي قولهم :
لَهُمْ
ضمير يعود اليه و
آلِهَةٌ
بدل من ذلك الضمير تقديره : كالذي هو لهم آلهة . ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال :
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ
قال الليث : التبار الهلاك . يقال : تبر الشيء يتبر تبارا والتتبير الإهلاك ، ومنه قوله تعالى :
تَبَّرْنا تَتْبِيراً
ويقال للذهب المنكسر المتفتت : التبر فقوله :
مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ
اي مهلك مدمر وقوله :
وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
قيل : البطلان عدم الشيء اما بعدم ذاته أو بعدم فائدته ومقصوده والمراد من بطلان عملهم : انه لا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضرر وتحقيق القول في هذا الباب ان المقصود من العبادة ان تصير المواظبة على تلك الأعمال سببا الاستحكام ذكر اللّه تعالى في القلب حتى تصير تلك الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها . فإذا اشتغل الإنسان بعبادة غير اللّه تعالى تعلق قلبه بغير اللّه ويصير ذلك التعلق سببا لإعراض القلب عن ذكر اللّه تعالى ؛ وإذا ظهر هذا التحقيق ظهر ان الاشتغال بعبادة غير اللّه متبر وباطل وضائع وسعى في تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 350 | فخر الدين الرازي