تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
أطاعوا لفتح اللّه عليهم أبواب الخيرات فقال :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا
اي آمنوا باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر
وَاتَّقَوْا
ما نهى اللّه عنه وحرمه
لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
بركات السماء بالمطر ، وبركات الأرض بالنبات والثمار ، وكثرة المواشي والانعام ، وحصول الأمن والسلامة ، وذلك لان السماء تجري مجرى الأب ، والأرض تجري مجرى الام ، ومنها يحصل جميع المنافع والخيرات بخلق اللّه تعالى وتدبيره . وقوله :
وَلكِنْ كَذَّبُوا
يعني الرسل
فَأَخَذْناهُمْ
بالجدوبة والقحط
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
من الكفر والمعصية . ثم إنه تعالى أعاد التهديد بعذاب الاستئصال فقال :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
وهو استفهام بمعنى الإنكار عليهم ، والمقصود انه تعالى خوفهم بنزول ذلك العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة ، وهو حال النوم بالليل ، وحال الضحى بالنهار ؛ لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل باللذات فيه . وقوله :
وَهُمْ يَلْعَبُونَ
يحتمل التشاغل بأمور الدنيا ، فهي لعب ولهو ، ويحتمل خوضهم في كفرهم ، لان ذلك كاللعب في أنه لا يضر ولا ينفع . قرا أكثر القراء
أَ وَأَمِنَ
بفتح الواو ، وهو حرف العطف دخلت عليه همزة الاستفهام ، كما دخل في قوله :
أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ
[ يونس : 51 ] وقوله :
أَ وَكُلَّما عاهَدُوا
[ البقرة : 100 ] وهذه القراءة أشبه بما قبله وبعده ، لان قبله
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
وما بعده
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ
[ الأعراف : 99 ]
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ
[ الأعراف : 100 ] وقرا ابن عامر أو أمن ساكنة الواو ، واستعمل على ضربين : أحدهما : أن تكون بمعنى أحد الشيئين ، كقوله : زيد أو عمرو جاء ، والمعنى أحدهما جاء . والضرب الثاني : أن تكون للاضراب عما قبلها ، كقولك : انا اخرج أو أقيم ، أضربت عن الخروج ، وأثبت الإقامة ، كأنك قلت : لا بل أقيم فوجه هذه القراءة انه جعل « أو » للاضراب لا على أنه أبطل الأول ، وهو
ألم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ
[ السجدة : 1 ، 2 ] فكان / المعنى من هذه الآية استواء هذه الضروب من العذاب ، وان شئت جعلت « أو » هاهنا التي لاحد الشيئين ، ويكون المعنى : أفأمنوا احدى هذه العقوبات ، وقوله :
ضُحًى
الضحى صدر النهار ، وأصله الظهور من قولهم : ضحا للشمس إذا ظهر لها . ثم قال تعالى :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ
وقد سبق تفسير المكر في اللغة ، ومعنى المكر في حق اللّه تعالى في سورة آل عمران عند قوله :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
[ آل عمران : 54 ] ويدل قوله :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ
ان المراد ان يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون . قاله على وجه التحذير ، وسمى هذا العذاب مكرا توسعا ، لان الواحد منا إذا أراد المكر بصاحبه ، فإنه يوقعه في البلاء من حيث لا يشعر به ، فسمى العذاب مكرا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون ، وبين انه لا يامن من نزول عذاب اللّه على هذا الوجه
إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
وهم الذين لغفلتهم وجهلهم لا يعرفون ربهم ، فلا يخافونه ، ومن هذه سبيله ، فهو أخسر الخاسرين في الدنيا والآخرة ، لأنه أوقع نفسه في الدنيا في الضرر ، وفي الآخرة في أشد العذاب .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 100 إلى 101 ]

أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 )