تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
تعالى ما انزل عذاب الاستئصال ، الا في زمن هؤلاء الأنبياء فقط ، فبين في هذه الآية ان هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم ، وبين العلة التي بها يفعل ذلك : قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
وانما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين إليهم يبعث الرسل ، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة ، لأنها مجتمع الأقوام وقوله :
مِنْ نَبِيٍّ
فيه حذف وإضمار ، والتقدير : من نبي فكذب أو كذبه أهلها ، الا أخذنا أهلها بالباساء والضراء . قال الزجاج : البأساء كل ما نالهم من الشدة في أحوالهم ، والضراء ما نالهم من الأمراض وقيل على العكس ، ثم بين تعالى انه يفعل ذلك لكي يضرعوا ، معناه : يتضرعوا ، والتضرع هو الخضوع والانقياد للّه تعالى ، ولما علمت أن قوله :
لَعَلَّهُمْ
لا يمكن حمله على الشك في حق اللّه تعالى ، وجب حمله على أن / المراد انه تعالى فعل هذا الفعل لكي يتضرعوا . قالت المعتزلة ، وهذا يدل على أنه تعالى أراد من كل المكلفين الايمان والطاعة . وقال أصحابنا : لما ثبت بالدليل ان تعليل افعال اللّه وأحكامه محال وجب حمل الآية على أنه تعالى فعل ، ما لو فعله غيره لكان ذلك شبيها بالعلة والغرض ، ثم بين تعالى ان تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد ، وانما يدبرهم بما يكون إلى الايمان أقرب فقال :
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ
لان ورود النعمة في البدن والمال بعد البأساء والضراء ، يدعو إلى الانقياد والاشتغال بالشكر ، ومعنى الحسنة والسيئة هاهنا الشدة والرخاء . قال أهل اللغة : ( السيئة ) كل ما يسوء صاحبه ، و ( الحسنة ) ما يستحسنه الطبع والعقل ، والمعنى : انه تعالى اخبر انه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة ، وبالرخاء أخرى . وقوله :
حَتَّى عَفَوْا
قال الكسائي : يقال : قد عفا الشعر وغيره ، إذا كثر ، يعفو فهو عاف . ومنه قوله تعالى :
حَتَّى عَفَوْا
يعني كثروا ومنه ما ورد في الحديث انه عليه الصلاة والسلام ، امر ان تحف الشوارب ، وتعفى اللحى يعني توفر وتكثر وقوله :
وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ
فالمعنى : انهم متى نالهم شدة قالوا : ليس هذا بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل وتلك عادة الدهر ، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من اللّه وهذه الحكاية تدل على أنهم لم ينتفعوا بما دبرهم اللّه عليه من رخاء بعد شدة ، وأمن بعد خوف ، بل عدلوا إلى أن هذه عادة الزمان في أهله ، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد ، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة ، فبين تعالى انه أزال عذرهم وأزاح علتهم ، فلم ينقادوا ولم ينتفعوا بذلك الامهال ، وقوله :
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
والمعنى : انهم لما تمردوا على التقديرين ، أخذهم اللّه بغتة أينما كانوا ، ليكون ذلك أعظم في الحسرة . وقوله :
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
اى يرون العذاب والحكمة في حكاية هذا المعنى ان يحصل الاعتبار لمن سمع هذه القصة وعرفها .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 96 إلى 99 ]

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ( 97 ) أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 98 ) أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 ) اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى ان الذين عصوا وتمردوا أخذهم اللّه بغتة ، بين في هذه الآية انهم لو