تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
الثاني : ان معنى الآية انه ليس لنا ان نعود إلى ملتكم الا ان يشاء اللّه ان يعيدنا إلى تلك الملة ، ولما كانت تلك الملة كفرا ، كان هذا تجويزا من شعيب عليه السلام ان يعيدهم إلى الكفر ، فكاد هذا يكون تصريحا من شعيب بأنه تعالى قد شاء رد المسلم إلى الكفر ، وذلك غير مذهبنا . قال الواحدي : ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر الا ترى إلى قول الخليل عليه السلام :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
[ إبراهيم : 35 ] وكثيرا ما كان محمد عليه الصلاة والسلام يقول : « يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك » وقال يوسف :
تَوَفَّنِي مُسْلِماً
[ يوسف : 101 ] أجابت المعتزلة عنه من وجوه : الأول : ان قوله ليس لنا ان نعود إلى تلك الملة الا ان يشاء اللّه ان يعيدنا إليها قضية شرطية ، وليس فيها بيان انه تعالى شاء ذلك أو ما شاء . والثاني : ان هذا مذكور على طريق التبعيد ، كما يقال : لا افعل ذلك الا إذا ابيض القار ، وشاب الغراب : فعلق شعيب عليه السلام عوده إلى ملتهم على مشيئته . ومن المعلوم انه لا يكون نفيا لذلك أصلا ، فهو على طريق التبعيد ، لا على وجه الشرط . الثالث : ان قوله :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
ليس فيه بيان ان الذي شاءه اللّه ما هو ، فنحن نحمله على أن المراد الا ان يشاء اللّه ربنا بان يظهر هذا الكفر من أنفسنا إذا اكرهتمونا عليه بالقتل ، وذلك لان عند الإكراه على اظهار الكفر بالقتل يجوز إظهاره ، وما كان جائزا كان مرادا للّه تعالى وكون الضمير أفضل من الإظهار ، لا يخرج ذلك الإظهار من أن يكون مراد اللّه تعالى ، كما أن المسح على الخفين مراد اللّه تعالى وان كان غسل الرجلين أفضل . الرابع : ان قوله :
لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ
المراد الإخراج عن القرية ، فيحمل قوله :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها
اي القرية لأنه تعالى قد كان حرم عليه إذا أخرجوه عن القرية ان يعود فيها الا باذن اللّه ومشيئته . الخامس : ان نقول يجب حمل المشيئة هاهنا على الأمر ، لان قوله :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
معناه : انه إذا شاء كان لنا ان نعود فيها . وقوله :
لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها
اي يكون ذلك العود جائزا ، والمشيئة عند أهل السنة لا يوجب جواز الفعل ، فإنه تعالى يشاء الكفر من الكافر عندهم ، ولا يجوز له فعله ، انما الذي يوجب / الجواز هو الأمر فثبت ان المراد من المشيئة هاهنا الأمر ، فكان التقدير : الا ان يأمر اللّه بعودنا في ملتكم فانا نعود إليها ، والشريعة التي صارت منسوخة ، لا يبعد ان يأمر اللّه بالعمل بها مرة أخرى ، وعلى هذا التقدير يسقط استدلالكم . والوجه السادس : للقوم في الجواب ما ذكره الجبائي ، فقال : المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف العبادة فيها بالأوقات ، كالصلاة والصيام وغيرهما ، فقال شعيب : وما يكون لنا ان نعود في ملتكم ولما دخل في ذلك كل ما هم عليه ، وكان من الجائز ان يكون بعض تلك الأحكام والشرائع باقيا غير منسوخ ، لا جرم قال :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
والمعنى : الا ان يشاء اللّه إبقاء بعضها فيدلنا عليه ، فحينئذ نعود إليها فهذا الاستثناء عائد إلى الاحكام التي يجوز دخول النسخ والتغيير فيها ، وغير عائد إلى ما لا يقبل التغير البتة فهذه أسئلة القوم على هذه الطريقة وهي جيدة ، وفي الآيات الدالة على صحة مذهبنا كثرة ، ولا يلزم من ضعف استدلال أصحابنا بهذه الآية دخول الضعف في المذهب واما المعتزلة فقد تمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين : الوجه الأول : لما قالوا ظاهر قوله :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا
يقتضي انه لو شاء اللّه عودنا إليها لكان لنا ان نعود إليها ، وذلك يقتضي ان كل ما شاء اللّه وجوده ، كان فعله جائزا مأذونا فيه ، ولم