تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
واما قوله :
تُوعِدُونَ
فمحله ومحل ما عطف عليه النصب على الحال والتقدير : ولا تقعدوا موعدين ولا صادين عن سبيل اللّه ولا ان تبغوا عوجا في سبيل اللّه والحاصل : انه نهاهم عن القعود على صراط اللّه حال الاشتغال بأحد هذه الأمور الثلاثة . واعلم أنه تعالى لما عطف بعض هذه الثلاثة على البعض وجب حصول المغايرة بينها فقوله :
تُوعِدُونَ
يحصل بذلك إنزال المضار بهم واما الصد فقد يكون بالإيعاد بالمضار وقد يكون بالوعد بالمنافع بما لو تركه وقد يكون بان لا يمكنه من الذهاب إلى الرسول ليسمع كلامه . اما قوله :
وَتَبْغُونَها عِوَجاً
فالمراد إلقاء الشكوك والشبهات والمراد من الآية ان شعيبا منع القوم من أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه الطرق الثلاثة وإذا تأملت علمت أن أحدا لا يمكنه منع غيره من قبول مذهب أو مقالة الا بأحد هذه الطرق الثلاثة . ثم قال :
وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ
والمقصود منه انهم إذا تذكروا كثرة انعام اللّه عليهم فالظاهر أن ذلك يحملهم على الطاعة والبعد عن المعصية قال الزجاج : وهذا الكلام يحتمل ثلاثة أوجه كثر عددكم بعد القلة وكثركم بالغني بعد الفقر وكثركم بالقدرة بعد الضعف ووجه / ذلك انهم إذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل في أنه لا يحصل من وجودهم قوة وشوكة . فاما تكثير عددهم بعد القلة ؛ فهو ان مدين بن إبراهيم تزوج رئيا بنت لوط فولدت حتى كثر عددهم . ثم قال بعده :
وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
والمعنى تذكروا عاقبة المفسدين وما لحقهم من الخزي والنكال ليصير ذلك زاجرا لكم عن العصيان والفساد فقوله :
وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ
المقصود منه انهم إذا تذكروا نعم اللّه عليهم انقادوا وأطاعوا وقوله :
وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
المقصود منه انهم إذا عرفوا ان عاقبة المفسدين المتمردين ليست الا الخزي والنكال احترزوا عن الفساد والعصيان وأطاعوا فكان المقصود من هذين الكلامين حملهم على الطاعة بطريق الترغيب أولا والترهيب ثانيا . ثم قال :
وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا
والمقصود منه تسلية قلوب المؤمنين وزجر من لم يؤمن لان قوله :
فَاصْبِرُوا
تهديد وكذلك قوله :
حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا
والمراد إعلاء درجات المؤمنين واظهار هوان الكافرين وهذه الحالة قد تظهر في الدنيا فإن لم تظهر في الدنيا فلا بد من ظهورها في الآخرة . ثم قال :
وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ
يعني انه حاكم منزه عن الجور والميل والحيف فلا بد وان يخص المؤمن التقي بالدرجات العالية والكافر الشقي بأنواع العقوبات ونظيره قوله :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ
[ ص : 28 ] .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 88 إلى 89 ]

قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ( 88 ) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ( 89 )
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 315 | فخر الدين الرازي