تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
[ في قوله تعالى
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
إلى قوله
بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
] اعلم أن شعيبا لما قرر تلك الكلمات قال :
الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
وانفوا من تصديقه وقبول قوله لا بد من أحد أمرين : اما ان ونخرجك ونخرج اتباعك من هذه القرية واما ان تعود إلى ملتنا والأشكال فيه ان يقال : ان قولهم :
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
يدل على أنه عليه السلام كان على ملتهم التي هي الكفر فهذا يقتضي انه عليه السلام كان كافرا قبل ذلك وذلك في غاية الفساد وقوله :
قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ
يدل أيضا على هذا المعنى . والجواب من وجوه : الأول : ان اتباع شعيب كانوا قبل دخولهم في دينه كفارا فخاطبوا شعيبا بخطاب اتباعه واجروا عليه أحكامهم . الثاني : ان رؤساءهم قالوا ذلك على وجه التلبيس على العوام يوهمون انه كان منهم وان شعيبا ذكر جوابه على وفق ذلك الإيهام . الثالث : ان شعيبا في أول امره كان يخفى دينه ومذهبه ، فتوهموا انه كان على دين قومه . الرابع : لا يبعد ان يقال : ان شعيبا كان على شريعتهم ثم إنه تعالى نسخ تلك الشريعة بالوحي الذي أوحاه اليه . الخامس : المراد من قوله :
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
اي لتصيرن إلى ملتنا فوقع العود بمعنى الابتداء . تقول العرب : قد عاد إلى من فلان مكروه يريدون قد صار إلى منه المكروه ابتداء قال الشاعر :
فان تكن الأيام أحسن مدة * إلى فقد عادت لهن ذنوب
أراد فقد صارت لهن ذنوب ولم يرد ان ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان ثم إنه تعالى بين ان القوم لما قالوا ذلك أجاب شعيب عليه السلام عن كلامهم بوجهين : الأول : قوله :
وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ
الهمزة للاستفهام والواو وأو الحال . تقديره : أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا ومع كوننا كارهين : الثاني : قوله :
قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
والجواب الأول يجري مجرى الرمز في أنه لا يعود إلى ملتهم وهذا الجواب الثاني تصريح بأنه لا يفعل ذلك فقال : انه ان فعلنا ذلك فقد افترينا على اللّه . وأصل الباب في النبوة والرسالة صدق اللهجة والبراءة عن الكذب فالعود في ملتكم يبطل النبوة ويزيل الرسالة . وقوله :
إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
فيه وجوه : الأول : معنى
إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
علمنا قبحه وفساده ونصب الأدلة على أنه باطل . الثاني : ان المراد ان اللّه نجى قومه من تلك الملة الا انه نظم نفسه في جملتهم وان كان بريئا منه اجراء الكلام على حكم التغليب . والثالث : ان القوم أوهموا انه كان على ملتهم أو اعتقدوا انه كان كذلك . فقوله :
بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
اي حسب معتقدكم وزعمكم . اما قوله :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
فاعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية على أنه تعالى قد يشاء الكفر والمعتزلة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يشاء الا الخير والصلاح . اما وجه استدلال أصحابنا بهذه فمن وجهين : الأول : قوله :
إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
يدل على أن المنجي من الكفر هو اللّه تعالى ولو كان الايمان يحصل بخلق العبد لكانت النجاة من الكفر تحصل للإنسان من نفسه لا من اللّه تعالى وذلك على خلاف مقتضى قوله :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 316 | فخر الدين الرازي