تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس الا حصر المحرمات في هذه الأشياء وثانيها : انه لما ثبت بمقتضى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الأربعة كان هذا اعترافا يحل ما سواها فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخا ولا شك ان مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ لأنه لو كان احتمال طريان الناسخ معادلا لاحتمال بقاء الحكم على ما كان فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في اثبات شيء من الاحكام لاحتمال ان يقال : انه وان كان ثابتا الا انه زال ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ وان القائل به والذاهب اليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال . واما جوابهم الثالث : وهو انا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد فنقول : ليس هذا من باب التخصيص بل هو صريح النسخ لان قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ
مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة وقوله في سورة البقرة :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ
وكذا وكذا تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة لان كلمة ( انما ) تفيد الحصر فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعا لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين انه كان ثابتا في أول الشريعة بمكة / وفي آخرها بالمدينة ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز . واما جوابهم الرابع : فضعيف أيضا لان قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ
يتناول كل ما كان وحيا سواء كان ذلك الوحي قرآنا أو غيره وأيضا فقوله في سورة البقرة :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ
يزيل هذا الاحتمال فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام وصحة هذا المذهب وهو الذي كان يقول به مالك بن انس رحمه اللّه ومن السؤالات الضعيفة ان كثيرا من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل انه عليه الصلاة والسلام قال : « ما استخبثه العرب فهو حرام » وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات اللّه عليه لما رآهم يأكلون الضب وقال : « يعافه طبعي » ثم إن هذا الاستقذار ما صار سببا لتحريم الضب . واما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئا وقد يختلفون في بعض الأشياء فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون فعلمنا ان امر الاستقذار غير مضبوط بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم ؟ المسألة الثالثة : اعلم انا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء فلا فائدة في الإعادة : فأولها : الميتة ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام : « أحلت لنا ميتتان السمك والجراد » وثانيها : الدم المسفوح والسفح الصب يقال : سفح الدم سفحا وسفح هو سفوحا إذا سال وانشد أبو عبيدة لكثير :
أقول ودمعي واكف عند رسمها * عليك سلام اللّه والدمع يسفح
قال ابن عباس : يريد ما خرج من الانعام وهي احياء وما يخرج من الأوداج عند الذبح وعلى هذا التقدير : فلا يدخل في الكبد والطحال لجمودهما ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل وسئل أو مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم . وعن القدري : يرى فيها حمرة الدم فقال لا بأس به انما نهي عن الدم المسفوح . وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس . ورابعها : قوله :
أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
وهو منسوق على