اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات اتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب فقال :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرا ابن كثير وحمزة الا أن تكون بالتاء
مَيْتَةً
بالنصب على تقدير : الا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة . وقرا ابن عامر الا أن تكون بالتاء ميتة بالرفع على معنى الا ان تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً
اي الا ان يكون المأكول ميتة أو الا ان يكون الموجود ميتة .
المسألة الثانية : لما بين اللّه تعالى ان التحريم والتحليل لا يثبت الا بالوحي قال :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ
اي على آكل يأكله وذكر هذا ليظهر ان المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات . ثم ذكر أمورا أربعة : أولها : الميتة وثانيها : الدم المسفوح وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس ورابعها : الفسق وهو الذي أهل به لغير اللّه فقوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
الا هذه الأربعة مبالغة في بيان انه لا يحرم الا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت انه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات الا بالوحي وثبت انه لا وحي من اللّه تعالى الا إلى محمد عليه الصلاة والسلام وثبت انه تعالى يأمره ان يقول :
اني لا أجد فيما أوحي إلي محرما من المحرمات الا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان انه لا يحرم الا هذه الأربعة .
واعلم أن هذه السورة مكية فبين تعالى في هذه السورة المكية انه لا محرم الا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بان قال في سورة النحل :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ النحل : 115 ] وكلمة ( انما ) تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضا انه لا محرم الا هذه الأربعة فقال :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
[ البقرة : 173 ] وكلمة ( انما ) تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لان كلمة : ( انما ) تفيد الحصر فكلمة
إِنَّما
في الآية المدنية مطابقة لقوله :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
الا كذا وكذا في الآية المكية ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى :
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
[ المائدة : 1 ] واجمع المفسرون على أن المراد بقوله :
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل وهو قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ
[ المائدة : 3 ] وكل هذه الأشياء اقسام الميتة وانه تعالى انما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل فثبت ان الشريعة من أولها إلى آخرها / كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر .
فإن قال قائل : فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات ويلزم عليه أيضا تحليل الخمر وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن اللّه تعالى حكم بتحريمها .
قلنا : هذا لا يلزمنا من وجوه : الأول : انه تعالى قال في هذه الآية :
أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ
ومعناه انه تعالى انما حرم لحم الخنزير لكونه نجسا فهذا يقتضي ان النجاسة علة لتحريم الأكل فوجب ان يكون كل نجس يحرم اكله وإذا كان هذا مذكورا في الآية كان السؤال ساقطا . والثاني : انه تعالى قال في آية أخرى :