فعله صلى الله عليه وآله وسلم لما نهى عنه نهيا يشمله يكون مخصصا له وحده من العموم ،
ونهيا يختص بالأمة لا يكون فعله معارضا له إذا لم يقم دليل يدل على التأسي به في ذلك
الفعل لخصوصه لا مجرد أدلة التأسي العامة ، فإنها مخصصة بالنهي للأمة لأنه أخص منها
مطلقا . ومن غرائب المقام ما احتج له بعض المالكية على عدم كراهة صوم يوم الجمعة
فقال : يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده ، وهذا قياس فاسد الاعتبار ، لأنه منصور
في مقابلة النصوص الصحيحة ، وأغرب من ذلك قول مالك في الموطأ : لم أسمع أحدا من أهل
العلم والفقه ومن يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن ، وقد رأيت بعضهم
يصومه وأراه كان يتحراه ، قال النووي والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره ، وقد ثبت
النهي عن صوم الجمعة فيتعين القول به ، ومالك معذور فإنه لم يبلغه . قال الداودي من
أصحاب مالك : لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه . ( وقد اختلف ) في سبب كراهة
إفراد يوم الجمعة بالصيام على أقوال ذكرها صاحب الفتح منها لكونه عيدا ، ويدل على
ذلك رواية أحمد المذكورة في الباب ، واستشكل التعليل بذلك بوقوع الاذن من الشارع
بصومه مع غيره ، وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم الاستواء من كل وجه ،
ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم . ومنها لئلا يضعف عن العبادة
ورجحه النووي . قال في الفتح : وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه . وأجاب
النووي بأنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل به يوم صومه من فتور أو
تقصير . قال الحافظ : وفيه نظر ، فإن الجبر لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع أفعال الجبر ،
فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده ، كمن
أعتق فيه رقبة مثلا ولا قائل بذلك ، وأيضا فكأن النهي يختص بمن يخشى عليه الضعف
لا من يتحقق منه القوة ، ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز
الفطر في السفر لمن لم يشق عليه . ومنها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود
بالسبت ، قال في الفتح : وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام وخوف اعتقاد وجوبه . قال
في الفتح أيضا : وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس . ومنها خشية أن يفرض عليهم كما
خشي صلى الله عليه وآله وسلم من قيام الليل ذلك قاله المهلب . قال في الفتح : وهو منتقض
بإجازة صومه مع غيره ، وبأنه لو كان السبب ذلك لجاز صومه بعده صلى الله عليه وآله وسلم
لارتفاع الخشية . ومنها مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم ،
نيل الأوطار — صفحة 338
مساهمون: الشوكاني
ص٣٣٨