تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
في الآية الأولى من السؤال أوهم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم . فإن قيل قوله
وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها
هذا الضمير عائد إلى الأشياء المذكورة في قوله
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ
فكيف يعقل في
أَشْياءَ
بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا . قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها ، والثاني : أنهما وإن كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسؤولا عنه شيء واحد ، فلهذا الوجه حسن اتحاد الضمير وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين . الوجه الثالث في تأويل الآية : إن قوله
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ
دل على سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، فقوله
وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها
أي وإن تسألوا عن تلك السؤالات حين ينزل القرآن يبين لكم أن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا ، والحاصل أن المراد من هذه الآية أنه يجب السؤال أولا ، وأنه هل يجوز السؤال عن كذا وكذا أم لا . ثم قال تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْها
وفيه وجوه : الأول : عفا اللَّه عما سلف من مسائلكم وإغضابكم للرسول بسببها ، فلا تعودوا إلى مثلها . الثاني : أنه تعالى ذكر أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم ، فقال
عَفَا اللَّهُ عَنْها
يعني عما ظهر عند تلك السؤالات مما يسؤكم ويثقل ويشق في التكليف عليكم . الثالث : في الآية تقديم وتأخير ، والتقدير : لا تسألوا عن أشياء عفا اللَّه عنها في الآية
إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
وهذا ضعيف لأن الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير ، وعلى هذا الوجه فقوله
عَفَا اللَّهُ عَنْها
أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء ، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : « عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق » أي خففت عنكم بإسقاطها . ثم قال تعالى :
وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
وهذه الآية تدل على أن المراد من قوله عفا اللَّه عنها ما ذكرناه في الوجه الأول . ثم قال تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 102 ]

قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) قال المفسرون : يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وقوم موسى قالوا :
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
[ النساء : 153 ] فصار ذلك وبالا عليهم ، وبنو إسرائيل
قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
قال تعالى :
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
و
قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ
[ البقرة : 246 - 247 ] فسألوها ثم كفروا بها ، وقوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها ، فكأنه تعالى يقول أولئك سألوا فلما أعطوا سؤلهم ساءهم ذلك فلا تسألوا عن أشياء فلعلّكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك فإن قيل : إنه تعالى قال : أولا :
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ
[ المائدة : 101 ] ثم قال هاهنا :
قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ
وكان الأولى أن يقول : قد سأل عنها قوم فما السبب في ذلك . قلنا الجواب من وجهين : الأول : أن السؤال عن الشيء عبارة عن السؤال عن حالة من أحواله ، وصفة من