الوجه الثالث : ما ذكره الكسائي : وهو أن أشياء على وزن أفعال ، إلا أنهم لم يصرفوه لكونه شبيها في الظاهر بحمراء وصفراء ، وألزمه الزجاج أن لا ينصرف أسماء وأبناء ، وعندي أن سؤال الزجاج ليس بشيء ، لأن للكسائي أن يقول : القياس يقتضي ذلك في أبناء وأسماء ، إلا أنه ترك العمل به للنص ، لأن النص أقوى من القياس ، ولم يوجد النص في لفظ أشياء فوجب الجري فيه على القياس ، ولأن المحققين من النحويين اتفقوا على أن العلل النحوية لا توجب الاطراد ، ألا ترى أنا إذا قلنا / الفاعلية توجب الرفع ، لزمنا أن نحكم بحصول الرفع في جميع المواضع ، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا بل نقول : القياس ذلك فيعمل به ، إلا إذا عارضه نص فكذا القول فيما أورده الزجاج على الكسائي .
المسألة الثالثة :
روى أنس أنهم سألوا النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأكثروا المسألة ، فقام على المنبر فقال : « سلوني فو اللَّه لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به » فقام عبد اللَّه بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه ، فقال يا نبي اللَّه من أبي فقال : « أبو حذافة بن قيس » وقال سراقة بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول اللَّه : الحج علينا في كل عام فأعرض عنه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة ، فقال عليه الصلاة والسلام :
« ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم واللَّه لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » وقام آخر فقال : يا رسول اللَّه أين أبي فقال « في النار » ولما اشتد غضب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قام عمر وقال :
رضينا باللَّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية .
واعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه ، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه الصلاة والسلام بغير أبيه فيفتضح ، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن
قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم فيه : « إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من كان سببا لتحريم حلال إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عام »
وكان عبيد بن عمير يقول : إن اللَّه أحل وحرّم فما أحل فاستحلوه ، وما حرّم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها ، فذلك عفو من اللَّه تعالى ، ثم يتلو هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني : إن اللَّه فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها .
ثم قال تعالى :
وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ
وفيه وجوه : الأول : أنه بيّن بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها ان أبديت لهم ساءتهم ثم بين بهذه الآية أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، فكان حاصل الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، وإن أبديت لهم ساءتهم ، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم ان سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم . والوجه / الثاني : في تأويل الآية أن السؤال على قسمين . أحدهما :
السؤال عن شيء لم يجز ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه ، فهذا السؤال منهى عنه بقوله
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
.
والنوع الثاني من السؤال : السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فههنا السؤال واجب ، وهو المراد بقوله
وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ
والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما منع