تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
في الآية مسائل : المسألة الأولى : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال :
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
[ المائدة : 99 ] صار التقدير كأنه قال ، ما بلغه الرسول إليكم فخذوه ، وكونوا منقادين له ، وما لم يبلغه الرسول إليكم فلا تسألوا عنه ، ولا تخوضوا فيه ، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم . الثاني : إنه تعالى لما قال :
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
وهذا ادعاء منه للرسالة ، ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات ، بمعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكيا عنهم
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
[ الإسراء : 90 ] إلى قوله
قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 93 ] والمعنى إني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام إليكم ، واللَّه تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات ، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم / وذلك ليس في وسعى ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا ، ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بهذه المعجزات ، وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم . الوجه الثالث : أن هذا متصل بقوله
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ
[ المائدة : 99 ] فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبد لكم تسؤكم . المسألة الثانية : أشياء جمع شيء وأنها غير متصرفة وللنحويين في سبب امتناع الصرف وجوه الأول : قال الخليل وسيبويه : قولنا شيء جمعه في الأصل شياء على وزن فعلاء فاستثقلوا اجتماع الهمزتين في آخره ، فنقلوا الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجاءت لفعاء ، وذلك يوجب منع الصرف لثلاثة أوجه ، واحد منها مذكور ، واثنان خطرا ببالي . أما الأول : وهو المذكور فهو أن الكلمة لما كانت في الأصل على وزن فعلاء ، مثل حمراء ، لا جرم لم تنصرف كما لم ينصرف حمراء ، والثاني : أنها لما كانت في الأصل شياء ثم جعلت أشياء كان ذلك تشبيها بالمعدول كما في عامر وعمر ، وزافر وزفر ، والعدل أحد أسباب منع الصرف . الثالث : وهو أنا لما قطعنا الحرف الأخير منه وجعلناه أوله ، والكلمة من حيث إنها قطع منها الحرف الأخير صارت كنصف الكلمة ، ونصف الكلمة لا يقبل الاعراب ، ومن حيث إن ذلك الحرف الذي قطعناه منها ما حذفناه بالكلية ، بل ألصقناه بأولها ، كانت الكلمة كأنها باقية بتمامها ، فلا جرم منعناه بعض وجوه الاعراب دون البعض ، تنبيها على هذه الحالة ، فهذا ما خطر بالبال في هذا المقام . الوجه الثاني : في بيان السبب في منع الصرف ما ذكره الأخفش والفرّاء : وهو أن أشياء وزنه أفعلاء ، كقوله أصدقاء وأصفياء ، ثم إنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فقدموا الهمزة ، فلما كان أشياء في الأصل أشيياء على وزن أصدقاء وأفعلاء ، وكان ذلك مما لا يجري فيه الصرف ، فكذا هاهنا .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 443 | فخر الدين الرازي