كنت رسولا من عند اللَّه ، فاطلب من اللَّه حتى يوسع علينا منافع الدنيا وخيراتها ، ويفتح علينا أبواب سعادتها .
فقال تعالى قل لهم إني لا أقول لكم عندي خزائن اللَّه ، فهو تعالى يؤتي الملك من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير لا بيدي والخزائن جمع خزانة ، وهو اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه ، بحيث لا تناله الأيدي . وثانيها : قوله
وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
ومعناه أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولا من عند اللَّه فلا بدّ وأن تخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار ، حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ، ولدفع تلك المضار . فقال تعالى : قل إني لا أعلم الغيب فكيف تطلبون مني هذه المطالب ؟
والحاصل أنهم كانوا في المقام الأول يطلبون منه الأموال الكثيرة والخيرات الواسعة ، وفي المقام الثاني كانوا يطلبون منه الاخبار عن الغيوب ، ليتوسلوا بمعرفة تلك الغيوب إلى الفوز بالمنافع والاجتناب عن المضار والمفاسد . وثالثها : قوله
وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ
ومعناه أن القوم كانوا يقولون
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 7 ] ويتزوج ويخالط الناس . فقال تعالى : قل لهم إني لست من الملائكة .
واعلم أن الناس اختلفوا في أنه ما الفائدة في ذكر نفي هذه الأحوال الثلاثة ؟
فالقول الأول : أن المراد منه أن يظهر الرسول من نفسه التواضع للَّه والخضوع له والاعتراف بعبوديته ، حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح عليه السلام .
والقول الثاني : أن القوم كانوا يقترحون منه إظهار المعجزات القاهرة القوية ، كقولهم
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
[ الإسراء : 90 ] إلى آخر الآية فقال تعالى في آخر الآية
قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 93 ] يعني لا أدعي إلا الرسالة والنبوّة ، وأما هذه الأمور التي طلبتموها ، فلا يمكن تحصيلها إلا بقدرة اللَّه ، فكان المقصود من هذا الكلام إظهار العجز والضعف وأنه لا يستقل بتحصيل هذه المعجزات التي طلبوها منه .
والقول الثالث : أن المراد من قوله
لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ
معناه إني لا أدعي كوني موصوفا بالقدرة اللائقة بالإله تعالى . وقوله
وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
أي ولا أدعي كوني موصوفا بعلم اللَّه تعالى . وبمجموع هذين الكلامين حصل أنه لا يدعي الإلهية .
ثم قال :
وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ
وذلك لأنه ليس بعد الإلهية درجة أعلى حالا من الملائكة ، فصار حاصل الكلام كأنه يقول لا أدعي الإلهية ولا أدعي الملكية ولكني أدعي الرسالة ، وهذا منصب لا يمتنع حصوله للبشر ، فكيف أطبقتم على استنكار قولي ودفع دعواي ؟
المسألة الثانية : قال الجبائي : الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء ، لأن معنى الكلام لا أدعي منزلة فوق منزلتي ولولا أن الملك أفضل وإلا لم يصح ذلك . قال القاضي : إن كان الغرض بما نفى طريقة التواضع ؛ فالأقرب أن يدل ذلك على أن الملك أفضل ، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة ، لم يدل على كونهم أفضل .
المسألة الثالثة : قوله
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
ظاهره يدل على أنه لا يعمل إلا بالوحي وهو يدل على حكمين .