والأمل ، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة ، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان
قال صلى اللَّه عليه وسلم : « يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص والأمل »
والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية اللَّه وإيذاء الخلق ، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقا في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة ، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة .
ورابعها : قوله
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ
البتك القطع ، وسيف باتك أي قاطع ، والتبتيك التقطيع . قال الواحدي رحمه اللَّه : التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين ، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا ، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها . وقال آخرون : المراد أنهم يقطعون آذان الأنعام نسكا في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق . خامسها : قوله
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ
وللمفسرين هاهنا : قولان : الأول : أن المراد من تغيير خلق اللَّه تغيير دين اللَّه ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة ، وفي تقرير هذا القول وجهان : الأول : أن اللَّه تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به ، فمن كفر فقد غير فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها ، وهذا معنى
قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة »
ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه .
والوجه الثاني : في تقرير هذا القول : أن المراد من تغيير دين اللَّه هو تبديل الحلال حراما / أو الحرام القول الثاني : حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر ، وذكروا فيه وجوها الأول : قال الحسن : المراد ما
روى عبد اللَّه بن مسعود عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « لعن اللَّه الواصلات والواشمات »
قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا . الثاني : روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق اللَّه هاهنا هو الإخصاء وقطع الآذان وفقء العيون ، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم ، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفا عوروا عين فحلها . الثالث : قال ابن زيد هو التخنث ، وأقول : يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول ، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى ، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع : حكى الزجاج عن بعضهم أن اللَّه تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل ، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون ، فغيروا خلق اللَّه ، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب [ قوله تعالى
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
إلى قوله
فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً
] ويخطر ببالي هاهنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى ، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه : التشوش ، والنقصان ، والبطلان .
فادعى الشيطان لعنه اللَّه إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين ، وضرر الدين هو قوله
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
ثم إن هذا المرض لا بدّ وأن يكون على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرناها ، وهي التشوش والنقصان والبطلان ، فأما التشوش فالإشارة إليه بقوله
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية ، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش ، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ
وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان ، وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة ، وأما البطلان