تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروما عن رحمتي ، ولكنه لما ارتد وأشرك باللَّه صار محروما قطع عن رحمة اللَّه ، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند اللَّه فقال
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً
يعني ومن لم يشرك باللَّه لم يكن ضلاله بعيدا ، فلا جرم لا يصير محروما عن رحمتي ، وهذه المناسبات دالة قطعا على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعا سواء حصلت التوبة أو لم تحصل ، ثم إنه تعالى بيّن كون الشرك ضلالا بعيدا فقال
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ
( إن ) هاهنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
[ النساء : 159 ] و
يَدْعُونَ
بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه ، وقوله
إِلَّا إِناثاً
فيه أقوال : الأول : أن المراد هو الأوثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم : اللّات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، واللات تأنيث اللَّه ، والعزى تأنيث العزيز . قال الحسن : لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي اللَّه عنها : إلا أوثانا ، وقراءة ابن عباس : إلا اثنا ، جمع وثن مثل أسد وأسد ، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ
[ المرسلات : 11 ] قال الزجاج : وجائز أن يكون أثن أصلها أثن ، فأتبعت الضمة الضمة . القول الثاني : قوله
إِلَّا إِناثاً
أي إلا أمواتا ، وفي تسمية الأموات إناثا وجهان : الأول : أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى ، تقول : هذه الأحجار تعجبني : كما تقول : هذه المرأة تعجبني . الثاني : أن الأنثى أخس من الذكر ، والميت أخس من الحي ، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات . القول الثالث : أن بعضهم كان يعبد الملائكة ، وكانوا يقولون : الملائكة بنات اللَّه قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى
[ النجم : 27 ] والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السماوات والأرض وما بينهما جمادا يسميه بالأنثى . ثم قال :
وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً
قال المفسرون : كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم ، وقال الزجاج : المراد بالشيطان هاهنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية
وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً
ولا شك أن قائل هذا القول هو إبليس ، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس ، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له : مارد ومريد ، قال الزجاج : يقال : حائط ممرد أي مملس ، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها ، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس ، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة اللَّه لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء . ثم قال تعالى :
لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً
وفيه مسألتان . المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : قوله
لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ
صفتان بمعنى شيطانا مريدا جامعا بين لعنة اللَّه وهذا القول الشنيع . واعلم أن الشيطان هاهنا قد ادعى أشياء : أولها : قوله
لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً
الفرض في اللغة القطع ، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر ، والفرض الحز الذي في الوتر ، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر ، والفريضة ما فرض اللَّه على عباده وجعله حتما عليهم