تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
قطعا لعذرهم ، وكذا قوله
وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً
[ البقرة : 237 ] أي جعلتم لهن قطعة من المال . إذا عرفت هذا فنقول : معنى الآية أن الشيطان لعنه اللَّه قال عند ذلك : لأتخذن من عبادك حظا مقدرا معينا ، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه ، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : « من كل ألف واحد للَّه وسائره للناس ولإبليس » . فإن قيل : النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عددا من حزب اللَّه . أما النقل : فقوله تعالى في صفة البشر
فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ سبأ : 20 ] وقال حاكيا عن الشيطان
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
[ الإسراء : 62 ] . وحكي عنه أيضا أنه قال
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *
[ ص : 82 ، 83 ] ولا شك أن المخلصين قليلون . وأما العقل : فهو أن الفساق والكفار أكثر عددا من المؤمنين المخلصين ، ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس . إذا ثبت هذا فنقول : لم قال
لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً
مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر ، وإنما يتناول الأقل ؟ والجواب : أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر ، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين ، وأيضا فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند اللَّه ، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم ، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس . وثانيها : قوله :
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
يعني عن الحق ، قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا . فالأصل الأول : المضل هو الشيطان ، وليس المضل هو اللَّه تعالى قالوا : وإنما قلنا : أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك واللَّه تعالى ما كذبه فيه ، ونظيره قوله
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *
وقوله
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
وقوله
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الأعراف : 16 ] وأيضا أنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلا للناس في معرض الذم له ، وذلك يمنع من كون الإله / موصوفا بذلك . والأصل الثاني : وهو أن أهل السنة يقولون : الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا : ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال . والجواب : أن هذا كلام إبليس فلا يكون حجة ، وأيضا أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جدا ، فتارة يميل إلى القدر المحض ، وهو قوله
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *
وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
[ القصص : 39 ] وتارة يظهر التردد فيه حيث قال :
رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا
[ القصص : 63 ] يعني أن قول هؤلاء الكفار : نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين ؟ ولا بدّ من انتهاء الكل بالآخرة إلى اللَّه . وثالثها : قوله
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الإضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق ، وطلب الأماني يورث شيئين : الحرص