تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
حاصل ، لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول ، فلا يحتاج هناك إلى تغيير هيئة الصلاة ، وأما سائر الفقهاء فقالوا : لما ثبت هذا الحكم في حق النبي صلى اللَّه عليه وسلم بحكم هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره لقوله تعالى :
وَاتَّبِعُوهُ
[ الأعراف : 158 ] ألا ترى أن قوله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
[ التوبة : 103 ] لم يوجب كون الرسول صلى اللَّه عليه وسلم مخصوصا به دون غيره من الأمة بعده ، وأما التمسك بلفظ « إذا » فالجواب أن مقتضاه هو الثبوت عند الثبوت ، أما العدم عند العدم فغير مسلم ، وأما التمسك بإدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى اللَّه عليه وسلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة ، لأنه لا يجوز أن يكون طلب الفضيلة يوجب ترك الفرض ، فاندفع هذا الكلام واللَّه أعلم . المسألة الثانية : شرح صلاة الخوف هو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلى بهم ركعة واحدة ، ثم إذا فرغوا من الركعة فكيف يصنعون ؟ فيه أقوال : الأول : أن تلك الطائفة يسلمون من الركعة الواحدة ويذهبون إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى ويصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم ، وهذا مذهب من يرى أن صلاة الخوف للإمام ركعتان ، وللقوم ركعة ، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد اللَّه ومجاهد . الثاني : إن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم ، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين ، وهذا قول الحسن البصري . الثالث : أن يصلي الإمام مع الطائفة الأولى ركعة تامة ، ثم يبقى الإمام قائما في الركعة الثانية إلى أن تصلي هذه الطائفة ركعة أخرى ، ويتشهدون ويسلمون ويذهبون إلى وجه العدو ، ثم تأتي الطائفة الثانية ويصلون مع الإمام قائما في الركعة الثانية ركعة ، ثم يجلس الإمام في التشهد إلى أن تصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية ، ثم يسلم الإمام بهم ، وهذا قول سهل بن أبي حثمة ومذهب الشافعي . الرابع : أن الطائفة الأولى يصلي الإمام بهم ركعة / ويعودون إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو ، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بقراءة وينصرفون إلى وجه العدو ، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة ، والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة ، وهم في حكم من خلف الإمام ، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة ، والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته ، وهذا قول عبد اللَّه بن مسعود ، ومذهب أبي حنيفة . واعلم أنه وردت الروايات المختلفة بهذه الصلاة ، فلعله صلى اللَّه عليه وسلم صلّى بهم هذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصلحة ، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أي هذه الأقسام ، أما الواحدي رحمه اللَّه فقال : الآية مخالفة للروايات التي أخذ بها أبو حنيفة ، وبين ذلك من وجهين : الأول : أنه تعالى قال :
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا
وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلّت عند إتيان الثانية ، وعند أبي حنيفة ليس الأمر كذلك ؛ لأن الطائفة الثانية عنده تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها . الثاني : أن قوله :
فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ
ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام لأن مطلق قولك : صليت مع الإمام يدل على أنك أدركت جميع الصلاة معه ، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك ، وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا : الآية مطابقة لقولنا ، لأنه تعالى قال :
فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ
وهذا يدل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة ، ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة ، وأجاب الواحدي عنه فقال : هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة ، وليس الأمر كذلك ، بل هو لطائفتين السجود للأولى ، والكون من ورائكم الذي