تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
لحصول هذه الرخصة ، فلو كان الضرب في الأرض اسما لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلا دائما ، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من الانتقال من الدار إلى المسجد ، ومن المسجد إلى السوق ، وإذا كان حاصلا دائما امتنع جعله شرطا لثبوت هذا الحكم ، فلما جعل اللَّه الضرب في الأرض شرطا لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال / وذلك هو الذي يسمى سفرا ومعلوم أن اسم السفر واقع على القريب وعلى البعيد ، فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر ، أما الفقهاء فقالوا : أجمع السلف على أن أقل السفر مقدر ، قالوا : والذي يدل عليه أنه حصل في المسألة روايات : فالرواية الأولى : ما روي عن عمر أنه قال : يقصر في يوم تام ، وبه قال الزهري والأوزاعي . الثانية : قال ابن عباس : إذا زاد على يوم وليلة قصر . والثالثة : قال أنس بن مالك : المعتبر خمس فراسخ . الرابعة : قال الحسن : مسيرة ليلتين . الخامسة : قال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير : من الكوفة إلى المداين ، وهي مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول أبي حنيفة . وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة يومين وأكثر اليوم الثالث جاز القصر ، وهكذا رواه ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد . السادسة : قال مالك والشافعي : أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ ، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وهو الذي قدر أميال البادية كل ميل إثنا عشر ألف قدم ، وهي أربعة آلاف خطوة ، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة قال الفقهاء : فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم عير مربوط بمطلق السفر ، قال أهل الظاهر : اضطراب الفقهاء في هذه الأقاويل ، يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلا قويا في تقدير المدة ، إذ لو حصل في المسألة دليل ظاهر الدلالة لما حصل هذا الاضطراب ، وأما سكوت سائر الصحابة عن حكم هذه المسألة فلعله إنما كان لأنهم اعتقدوا أن هذه الآية دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر ، فكان هذا الحكم ثابتا في مطلق السفر بحكم هذه الآية ، وإذا كان الحكم مذكورا في نص القرآن لم يكن بهم حاجة إلى الاجتهاد والاستنباط ، فلهذا سكتوا عن هذه المسألة . واعلم أن أصحاب أبي حنيفة عولوا في تقدير المدة بثلاثة أيام على قوله عليه الصلاة والسلام يمسح المسافر ثلاثة أيام ، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام أن لا يكون مسافرا ، وإذا لم يكن مسافرا لم يحصل الرخص المشروعة في السفر ، وأما أصحاب الشافعي رضي اللَّه عنه فإنهم عولوا على ما روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس : أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد ، من مكة إلى عسفان ، قال أهل الظاهر : الكلام عليه من وجوه : الأول : أنه بناء على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وهو عندنا غير جائز لوجهين : الأول : أن القرآن وخبر الواحد مشتركان في دلالة لفظ كل واحد منهما على الحكم ، والقرآن مقطوع المتن ، والخبر مظنون المتن ، فكان القرآن أقوى دلالة من الخبر ، فترجيح / الضعيف على القوي لا يجوز . والثاني : أنه روي في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال : « إذا روي حديث عني فاعرضوه على كتاب اللَّه تعالى فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه » ، دلّ هذا الخبر على أن كل خبر ورد على مخالفة كتاب اللَّه تعالى فهو مردود ، فهذا الخبر لما ورد على مخالفة عموم الكتاب وجب أن يكون مردودا . الوجه الثاني : في دفع هذه الأخبار ، وهو أنها أخبار آحاد وردت في واقعة تعم الحاجة إلى معرفة حكمها فوجب كونها مردودة ، إنما قلنا : إن الحاجة إليها عامة لأن أكثر الصحابة كانوا في أكثر الأوقات في السفر وفي