تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
بمعنى الحراسة للطائفة الثانية واللَّه أعلم . ولنرجع إلى تفسير الآية [ قوله تعالى
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ
إلى قوله
أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ
] فنقول : قوله تعالى :
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ
أي وإذا كنت أيها النبي مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم
فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
والمعنى فاجعلهم طائفتين ، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم وليأخذوا أسلحتهم ، والضمير إما للمصلين وإما لغيرهم ، فإن كان للمصلين فقالوا : يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ، وذلك لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم ، وإن كان لغير المصلين فلا كلام فيه . ويحتمل أن يكون ذلك أمرا للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط . ثم قال :
فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا
. يعني غير المصلين
مِنْ وَرائِكُمْ
يحرسونكم ، وقد ذكرنا أن أداء الركعة الأولى مع الإمام في صلاة الخوف كهو في صلاة الأمن ، إنما التفاوت يقع في أداء الركعة الثانية فيه ، وقد ذكرنا / مذاهب الناس فيها . ثم قال :
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ
وقد بينا أن هذه الآية دالة على صحة قول الشافعي . ثم قال :
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ
والمعنى أنه تعالى جعل الحذر وهو التحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي ، فلذلك جمع بينه وبني الأسلحة في الأخذ وجعلا مأخوذين . قال الواحدي رحمه اللَّه : وفيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة . فإن قيل : لم ذكر في الآية الأولى
أَسْلِحَتَهُمْ
فقط ، وذكر في هذه الآية حذرهم وأسلحتهم . قلنا : لأن في أول الصلاة قلما يتنبه العدو لكون المسلمين في الصلاة ، بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة أما في الركعة الثانية فقد ظهر للكفار كونهم في الصلاة ، فههنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم ، فلا جرم خص اللَّه تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير فقال :
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ
. ثم قال تعالى :
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً
أي بالقتال . عن ابن عباس وجابر أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم صلّى بأصحابه الظهر ، ورأى المشركون ذلك ، فقالوا بعد ذلك : بئسما صنعنا حيث لم نقدم عليهم ، وعزموا على ذلك عند الصلاة الأخرى ، فأطلع اللَّه نبيّه صلى اللَّه عليه وسلم على أسرارهم بهذه الآية . ثم قال تعالى :
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ
والمعنى أنه إن تعذر حمل السلاح إما لأنه يصيبه بلل المطر فيسود وتفسد حدته ، أو لأن من الأسلحة ما يكون مبطنا فيثقل على لا بسه إذا ابتل بالماء ، أو لأجل أن الرجل كان مريضا فيشق عليه حمل السلاح ، فههنا له أن يضع حمل السلاح . ثم قال :
وَخُذُوا حِذْرَكُمْ
والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر ، لئلا يجترئ العدو عليهم احتيالا في الميل عليهم واستغناما منهم لوضع المسلمين أسلحتهم ، وفيه مسائل :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 206 | فخر الدين الرازي