تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
بهذه الآية صلاة السفر ، بل صلاة الخوف ، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد اللَّه وجماعة ، قال ابن عباس : فرض اللَّه صلاة الحضر أربعا ، وصلاة السفر ركعتين ، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيّكم محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، فهذان القولان متفرعان على ما إذا قلنا : المراد من القصر تقليل الركعات . القول الثاني : أن المراد من القصر إدخال التخفيف في كيفية أداء الركعات ، وهو أن يكتفي في الصلاة بالإيماء والإشارة بدل الركوع والسجود ، وأن يجوز المشي في الصلاة ، وأن تجوز الصلاة عند تلطخ الثوب بالدم ، وذلك هو الصلاة التي يؤتى بها حال شدة التحام القتال ، وهذا القول يروى عن ابن عباس وطاوس . واحتج هؤلاء على صحة هذا القول بأن خوف الفتنة من العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على إتمام أوصافهما ، وإنما ذلك فيما يشتد فيه الخوف في حال التحام القتال ، وهذا ضعيف ، لأنه يمكن أن يقال : إن صلاة المسافر إذا كانت قليلة الركعات ، فيمكنه أن يأتي بها على وجه لا يعلم خصمه بكونه مصليا ، أما إذا كثرت الركعات طالت المدة ولا يمكنه أن يأتي بها على حين غفلة من العدو . واعلم أن وجه الاحتمال ما ذكرنا ، وهو أن القصر مشعر بالتخفيف ، والتخفيف كما يحصل بحذف بعض الركعات فكذلك يحصل بأن يجعل الإيماء والإشارة قائما مقام الركوع والسجود . واعلم أن حمل لفظ القصر على إسقاط بعض الركعات أولى ، ويدل عليه وجوه : الأول : ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه ، كيف نقصر وقد أمنا ، وقد قال اللَّه تعالى :
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ
فقال : عجبت مما عجبت منه ، فسألت النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : « صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » وهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات ، وأن ذلك كان مفهوما عندهم من معنى الآية . الثاني : أن القصر عبارة عن أن يؤتي ببعض الشيء ، ويقتصر عليه ، فأما أن يؤتى بشيء / آخر ، فذلك لا يسمى قصرا ، ولا اقتصارا ، ومعلوم أن إقامة الإيماء مقام الركوع والسجود ، وتجويز المشي في الصلاة وتجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم ، ليس شيء من ذلك قصرا ، بل كلها إثبات لأحكام جديدة وإقامة لشيء مقام شيء آخر ، فكان تفسير القصر بما ذكرنا أولى . الثالث : أن ( من ) في قوله
مِنَ الصَّلاةِ
للتبعيض ، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة ، فثبت بهذه الوجوه أن تفسير القصر بإسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بما ذكروه من الإيماء والإشارة . الرابع : أن لفظ القصر كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات ، ولهذا المعنى لما صلّى النبي صلى اللَّه عليه وسلم الظهر ركعتين ، قال ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ الخامس : أن القصر بمعنى تغير الصلاة مذكور في الآية التي بعد هذه الآية ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى حذف الركعات ، لئلا يلزم التكرار ، واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه اللَّه : القصر رخصة ، فإن شاء المكلف أتم ، وإن شاء اكتفى على القصر ، وقال أبو حنيفة : القصر واجب ، فإن صلّى المسافر أربعا ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته ، وإن قعد بينهما مقدار التشهد تمت صلاته ، واحتج الشافعي رحمه اللَّه على قوله بوجوه : الأول : أن ظاهر قوله تعالى :
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
مشعر بعدم الوجوب ، فإنه لا يقال
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ
في أداء الصلاة الواجبة ، بل هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء ، فأما إيجابه على التعيين فهذا اللفظ غير