تعالى لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم ، فإن كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى عليه السلام علموا قطعا أن اللَّه ينصرهم عليهم ويسلطهم عليهم فلا بدّ وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع ، فهذه هي الفائدة من هذه الكلمة .
ثم قال :
وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ
وفيه وجهان : الأول : لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوة موسى عليه السلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما أخبر أن اللَّه تعالى جعل تلك الأرض لهم كان هذا وعدا بأن اللَّه تعالى ينصرهم عليهم ، فلو لم يقطعوا بهذه النصرة صاروا شاكين في صدق موسى عليه السلام فيصيروا كافرين بالإلهية والنبوة .
والوجه الثاني : المراد لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض التي خرجتم عنها .
يروى أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر ،
وقوله
فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
فيه وجوه : أحدها : خاسرين في الآخرة فإنه يفوتكم الثواب ويلحقكم العقاب ، وثانيها : ترجعون إلى الذل ، وثالثها : تموتون في التيه ولا تصلون إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 22 ]
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ( 22 )
ثم أخبر اللَّه تعالى عنهم أنهم
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ
وفي تفسير الجبارين وجهان : الأول :
الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه ، وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ، وهذا هو اختيار الفرّاء والزجاج . قال الفرّاء : لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين وهما : جبار من أجبر ، ودراك من أدرك ، والثاني : أنه مأخوذ من قولهم نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها ، ويقال : رجل جبار إذا كان طويلا عظيما قويا ، تشبيها بالجبار من النخل والقوم كانوا في غاية القوة وعظم الأجسام بحيث كانت أيدي قوم موسى ما كانت تصل إليهم ، فسموهم جبارين لهذا المعنى .
ثم قال القوم
وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ
وإنما قالوا هذا على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى :
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
[ الأعراف : 40 ] .
ثم قال تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 23 ]
قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 23 )
فيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا الرجلان هما يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا ، وكانوا من الذين يخافون اللَّه وأنعم اللَّه عليهما بالهداية والثقة بعون اللَّه تعالى والاعتماد على نصرة اللَّه . قال القفال : ويجوز أن يكون التقدير : قال رجلان من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون ، وهما رجلان منهم أنعم اللَّه عليهما بالإيمان فآمنا ، وقالا هذا القول لقوم موسى تشجيعا لهم على قتالهم ، وقراءة من قرأ يخافون بالضم شاهدة لهذا الوجه .