المسألة الأولى :
روي أن إبراهيم عليه السلام لما صعد جبل لبنان قال له اللَّه تعالى : انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس ، وهو ميراث لذريتك .
وقيل : لما خرج قوم موسى عليه السلام من مصر وعدهم اللَّه تعالى إسكان أرض الشام ، وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد ، ثم بعث موسى عليه السلام اثنى عشر نقيبا من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي ، / فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساما عظيمة هائلة . قال المفسرون : لما بعث موسى عليه السلام النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك ، فنثرهم بين يديه وقال متعجبا للملك :
هؤلاء يريدون قتالنا ، فقال الملك : ارجعوا إلى صاحبكم وأخبروه بما شاهدتم ، ثم انصرف أولئك النقباء إلى موسى عليه السلام فأخبروه بالواقعة ، فأمرهم أن يكتموا ما عاهدوه فلم يقبلوا قوله ، إلا رجلان منهم ، وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ، فإنهما سهلا الأمر وقالا : هي بلاد طيبة كثيرة النعم ، والأقوام وإن كانت أجسادهم عظيمة إلا أن قلوبهم ضعيفة ، وأما العشرة الباقية فقد أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم ، فقالوا لموسى عليه السلام
إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
[ المائدة : 24 ] فدعا موسى عليه السلام عليهم فعاقبهم اللَّه تعالى بأن أبقاهم في التيه أربعين سنة .
قالوا : وكانت مدة غيبة النقباء للتجسس أربعين يوما فعوقبوا بالتيه أربعين سنة ، ومات أولئك العصاة في التيه ، وأهلك النقباء العشرة في التيه بعقوبات غليظة . ومن الناس من قال : إن موسى وهارون عليهما السلام ماتا أيضا في التيه : ومنهم من قال : إن موسى عليه السلام بقي وخرج معه يوشع وكالب وقاتلوا الجبارين وغلبوهم ودخلوا تلك البلاد ، فهذه هي القصة واللَّه أعلم بكيفية الأمور .
المسألة الثانية : الأرض المقدسة هي الأرض المطهرة طهرت من الآفات . قال المفسرون : طهرت من الشرك وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء ، وهذا فيه نظر ، لأن تلك الأرض لما قال موسى عليه الصلاة والسلام
ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ
ما كانت مقدسة عن الشرك ، وما كانت مقرا للأنبياء ، ويمكن أن يجاب بأنها كانت كذلك فيما قبل .
المسألة الثالثة : اختلفوا في تلك الأرض ، فقال عكرمة والسدي وابن زيد : هي أريحا وقال الكلبي : دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، وقيل الطور .
المسألة الرابعة : في قوله
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
وجوه : أحدها : كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم وثانيها :
وهبها اللَّه لكم ، وثالثها : أمركم بدخولها .
فإن قيل : لم قال
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
ثم قال
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ
[ المائدة : 26 ] .
والجواب : قال ابن عباس : كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم . وقيل : اللفظ وإن كان عاما لكن المراد هو الخصوص ، فصار كأنه مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم . وقيل : إن الوعد بقوله
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
مشروط بقيد الطاعة ، فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط ، وقيل : إنها محرمة عليهم أربعين سنة ، فلما مضى الأربعون حصل ما كتب .
المسألة الخامسة : في قوله
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
فائدة عظيمة ، وهي أن القوم وإن كانوا جبارين إلا أن اللَّه