ثم قال تعالى :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
بمعنى من كان ملكه هكذا وقدرته هكذا فكيف يستحق البشر الضعيف عليه حقا واجبا ؟ وكيف يملك الإنسان الجاهل بعبادته / الناقصة ومعرفته القليلة عليه دينا . إنها كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا .
ثم قال تعالى :
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
أي وإليه يؤول أمر الخلق في الآخرة لأنه لا يملك الضر والنفع هناك إلا هو كما قال
وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
[ الانفطار : 19 ] .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 19 ]
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 )
[ في قوله تعالى
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ
] وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله
يُبَيِّنُ لَكُمْ
وجهان : الأول : أن يقدر المبين ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان :
أحدهما : أن يكون ذلك المبين هو الدين والشرائع ، وإنما حسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع ، وثانيها : أن يكون التقدير يبين لكم ما كنتم تخفون ، وإنما حسن حذفه لتقدم ذكره .
الوجه الثاني : أن لا يقدر المبين ويكون المعنى يبين لكم البيان ، وحذف المفعول أكمل لأن على هذا التقدير يصير أعم فائدة .
المسألة الثانية : قوله
يُبَيِّنُ لَكُمْ
في محل النصب على الحال ، أي مبينا لكم .
المسألة الثالثة : قوله
عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
قال ابن عباس : يريد على انقطاع من الأنبياء ، يقال : فتر الشيء يفتر فتورا إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه ، وسميت المدة التي بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع .
واعلم أن قوله
عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
متعلق بقوله
جاءَكُمْ
أي جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل . قيل :
كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة أو أقل أو أكثر . وعن الكلبي كان بين موسى وعيسى عليهما السلام ألف وسبعمائة سنة ، وألفا نبي ، وبين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة من الأنبياء ثلاثة من بني إسرائيل ، وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي .
المسألة الرابعة : الفائدة في بعثة محمد عليه الصلاة والسلام عند فترة من الرسل هي أن التغيير والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها ، وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل والصدق بالكذب ، وصار ذلك عذرا ظاهر في أعراض الخلق عن العبادات ، لأن لهم أن يقولوا : يا إلهنا عرفنا أنه لا بدّ من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبد ، فبعث اللَّه تعالى في هذا الوقت محمدا عليه الصلاة والسلام إزالة لهذا العذر ، وهو
أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ
يعني إنما بعثنا إليكم الرسول في وقت الفترة كراهة أن تقولوا : ما جاءنا في هذا الوقت من بشير ولا نذير .
ثم قال تعالى :
فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ
فزالت هذه العلة وارتفع هذا العذر .
ثم قال :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
والمعنى أن حصول الفترة يوجب احتياج الخلق إلى بعثة الرسل ، واللَّه تعالى قادر على كل شيء ، فكان قادرا على البعثة ، ولما كان الخلق محتاجين إلى البعثة ، والرحيم الكريم