ثم استثنى تعالى فقال :
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً
ونظيره قول الشاعر :
ولقد أمر على اللئيم يسبني
ويجوز أن يكون
لا يَسْتَطِيعُونَ
في موضع الحال ، والمعنى لا يقدرون على حيلة ولا نفقة ، أو كان بهم مرض ، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة .
ثم قال :
وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
أي لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلهم على الطريق .
روي أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة فقال جندب بن ضمرة لبنيه : احملوني فإني لست من المستضعفين ، ولا أني لا أهتدي الطريق ، واللَّه لا أبيت الليلة بمكة ، فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة ، وكان شيخا كبيرا ، فمات في الطريق .
فإن قيل : كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد ، فإن الاستثناء إنما يحسن لو كانوا مستحقين للوعيد على بعض الوجوه ؟
قلنا : سقوط الوعيد إذا كان بسبب العجز ، والعجز تارة يحصل بسبب عدم الأهبة وتارة بسبب الصبا ، فلا جرم حسن هذا إذا أريد بالولدان الأطفال ، ولا يجوز أن يراد المراهقون منهم الذين كملت عقولهم لتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين اللَّه تعالى ، وإن أريد العبيد والإماء البالغون فلا سؤال .
ثم قال تعالى :
فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ
وفيه سؤال ، وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة ، والعاجز عن الشيء غير مكلف به ، وإذا لم يكن مكلفا به لم يكن عليه في تركه عقوبة ، فلم قال :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ
والعفو لا يتصور إلا مع الذنب ، وأيضا ( عسى ) كلمة الإطماع ، وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم .
والجواب عن الأول : أن المستضعف قد يكون قادرا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه ، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك ، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس ، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا مع أنه لا يكون كذلك ، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام .
وأما السؤال الثاني : وهو قوله : ما الفائدة في ذكر لفظة
عَسَى
هاهنا ؟ فنقول : الفائدة فيها الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه ، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول : عسى اللَّه أن يعفو عني ، فكيف الحال في غيره . هذا هو الذي ذكره صاحب « الكشاف » في الجواب عن هذا السؤال ، إلا أن الأولى أن يكون الجواب ما قدمناه ، وهو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزا عنها مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة ، فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة
عَسَى
لا بالكلمة الدالة على القطع .
ثم قال تعالى :
وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً
ذكر الزجاج في
كانَ
ثلاثة أوجه : الأول : كان قبل أن خلق الخلق موصوفا بهذه الصفة . الثاني : أنه قال
كانَ
مع أن جميع العباد بهذه الصفة والمقصود بيان أن هذه عادة