تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
والجواب على وجوه : الأول : ما ذكره الحسن وأبو بكر الأصم ، وهو أن قوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
لا يقتضي إثبات الحل على سبيل التأبيد ، وهذا الوجه عندي هو الأصح في هذا الباب ، والدليل عليه أن قوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
إخبار عن إحلال كل ما سوى المذكورات وليس فيه بيان أن إحلال كل ما سوى المذكورات وقع على التأبيد أم لا ، والدليل على أنه لا يفيد التأبيد : أنه يصح تقسيم هذا المفهوم إلى المؤبد وإلى غير المؤبد ، فيقال تارة :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ / ذلِكُمْ
أبدا ، وأخرى
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
إلى الوقت الفلاني ، ولو كان قوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
صريحا في التأبيد لما كان هذا التقسيم ممكنا ، ولأن قوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
لا يفيد إلا إحلال من سوى المذكورات وصريح العقل يشهد بأن الإحلال أعم من الإحلال المؤبد ومن الإحلال المؤقت ، إذا ثبت هذا فنقول : قوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
لا يفيد إلا حل من عدا المذكورات في ذلك الوقت ، فأما ثبوت حلهم في سائر الأوقات فاللفظ ساكت عنه بالنفي والإثبات ، وقد كان حل من سوى المذكورات ثابتا في ذلك الوقت ، وطريان حرمة بعضهم بعد ذلك لا يكون تخصيصا لذلك النص ولا نسخا له ، فهذا وجه حسن معقول مقرر . وبهذا الطريق نقول أيضا : إن قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
[ النساء : 23 ] ليس نصا في تأبيد هذا التحريم ، وإن ذلك التأبيد إنما عرفناه بالتواتر من دين محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، لا من هذا اللفظ ، فهذا هو الجواب المعتمد في هذا الموضع . الوجه الثاني : انا لا نسلم أن حرمة الجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها غير مذكورة في الآية وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى حرم الجمع بين الأختين ، وكونهما أختين يناسب هذه الحرمة لأن الأختية قرابة قريبة ، والقرابة القريبة تناسب مزيد الوصلة والشفقة والكرامة ، وكون إحداهما ضرة الأخرى يوجب الوحشة العظيمة والنفرة الشديدة ، وبين الحالتين منافرة عظيمة ، فثبت أن كونها أختا لها يناسب حرمة الجمع بينهما في النكاح ، وقد ثبت في أصول الفقه ان ذكر الحكم مع الوصف المناسب له ، يدل بحسب اللفظ على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فثبت أن قوله :
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ
[ النساء : 23 ] يدل على كون القرابة القريبة مانعة من الجمع في النكاح ، وهذا المعنى حاصل بين المرأة وعمتها أو خالتها ، فكان الحكم المذكور في الأختين مذكورا في العمة والخالة من طريق الدلالة ، بل هاهنا أولى ، وذلك لأن العمة والخالة يشبهان الأم لبنت الأخ ولبنت الأخت ، وهما يشبهان الولد للعمة والخالة ، واقتضاء مثل هذه القرابة لترك المضارة أقوى من اقتضاء قرابة الأختية لمنع المضارة ، فكان قوله :
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ
مانعا من العمة والخالة بطريق الأولى . الثاني : أنه نص على حرمة التزوج بأمهات النساء فقال :
وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ
[ النساء : 23 ] ولفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة ، أما على العمة فلأنه تعالى قال مخبرا عن أولاد يعقوب عليه السلام :
نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ
[ البقرة : 133 ] فأطلق لفظ الأب على إسماعيل مع أنه كان عما ، وإذا كان العم أبا لزم أن تكون العمة أما ، وأما إطلاق لفظ الأم على الخالة فيدل عليه قوله تعالى :
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ
[ يوسف : 100 ] والمراد أبوه وخالته ، فإن أمه كانت متوفاة في ذلك الوقت ، فثبت بما / ذكرنا أن لفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة ، فكان قوله :
وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ
متناولا للعمة والخالة من بعض الوجوه . وإذا عرفت هذا فنقول : قوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
المراد ما وراء هؤلاء المذكورات سواء كن
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 37 | فخر الدين الرازي