ثم المراد من المحصنات هناك الحرائر ، فكذا هاهنا . وعلى هذا التقدير ففي قوله :
إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
وجهان : الأول : المراد منه إلا العدد الذي جعله اللَّه ملكا لكم وهو الأربع ، فصار التقدير : حرمت عليكم الحرائر إلا العدد الذي جعله اللَّه ملكا لكم وهو الأربع ، الثاني : الحرائر محرمات عليكم إلا ما أثبت اللَّه لكم ملكا عليهن ، وذلك عند حضور الولي والشهود وسائر الشرائط المعتبرة في الشريعة ، فهذا الأول في تفسير قوله :
إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
هو المختار ، ويدل عليه قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ *
[ المعارج : 29 ، 30 ] ، جعل ملك اليمين عبارة عن ثبوت الملك فيها ، فوجب أن يكون هاهنا مفسرا بذلك ، لأن تفسير كلام اللَّه تعالى بكلام اللَّه أقرب الطرق إلى الصدق والصواب واللَّه أعلم .
المسألة الخامسة : اتفقوا على أنه إذا سبى أحد الزوجين قبل الآخر وأخرج إلى دار الإسلام وقعت الفرقة .
أما إذا سبيا معا فقال الشافعي رضي اللَّه عنه : هاهنا تزول الزوجية ، ويحل للمالك أن يستبرئها بوضع الحمل إن كانت حاملا من زوجها ، أو بالحيض . وقال أبو حنيفة رحمة اللَّه عليه : لا تزول . حجة الشافعي رضي اللَّه عنه أن قوله :
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ
يقتضي تحريم ذات الأزواج ثم قوله :
إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
يقتضي أن عند طريان الملك ترفع الحرمة ويحصل الحل ، قال أبو بكر الرازي : لو حصلت الفرقة بمجرد طريان الملك لوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها وإرثها ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فيقال له : كأنك ما سمعت أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي ، وأيضا : فالحاصل عند السبي إحداث الملك فيها ، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص فكان الأول أقوى ، فظهر الفرق .
المسألة السادسة : مذهب علي وعمر وعبد الرحمن بن عوف أن الأمة المنكوحة إذا بيعت لا يقع عليها الطلاق ، وعليه إجماع الفقهاء اليوم ، وقال أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وجابر وأنس : إنها إذا بيعت طلقت . حجة الجمهور : أن عائشة لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وكانت مزوجة ، ولو وقع الطلاق بالبيع لما كان لذلك التخيير فائدة . ومنهم من
روى في قصة بريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : « بيع الأمة طلاقها »
وحجة أبي كعب / وابن مسعود عموم الاستثناء في قوله :
إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
وحاصل الجواب عنه يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد واللَّه أعلم . ثم إنه تعالى ختم ذكر المحرمات بقوله :
كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وفيه وجهان : الأول : أنه مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل فان قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
يدل على معنى الكتبة فالتقدير : كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من اللَّه ، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير نظيره
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ
[ النمل : 88 ] الثاني : قال الزجاج : ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر ، ويكون « عليكم » مفسرا له فيكون المعنى : الزموا كتاب اللَّه .
ثم قال :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم
وَأُحِلَّ لَكُمْ
على ما لم يسم فاعله عطفا على قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
والباقون بفتح الألف والحاء عطفا على
كِتابَ اللَّهِ
يعني كتب اللَّه عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها .
المسألة الثاني : اعلم أن ظاهر قوله تعالى :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
يقتضي حل كل من سوى الأصناف المذكورة .