إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف أخر سوى هؤلاء المذكورين ونحن نذكرها .
الصنف الأول : لا يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها ،
قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها »
وهذا خبر مشهور مستفيض ، وربما قيل : إنه بلغ مبلغ التواتر ، وزعم الخوارج أن هذا خبر واحد ، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة ، وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة ، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن ، فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى وإنه لا يجوز . الثاني : من جملة الأحاديث المشهورة خبر معاذ ، وإنه يمنع من تقديم خبر الواحد على عموم القرآن من وجهين لأنه قال : بم تحكم ؟ قال بكتاب اللَّه ، قال : فإن لم تجد قال : بسنة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقدم التمسك بكتاب اللَّه على التمسك بالسنة ، وهذا يمنع من تقديم السنة على الكتاب ، وأيضا فإنه قال : فإن لم تجد قال : بسنة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، علق جواز التمسك بالسنة على عدم الكتاب بكلمة « إن » وهي للاشتراط ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط . الثالث : أن من الأحاديث المشهورة
قوله عليه الصلاة والسلام : « إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللَّه فان وافقه فاقبلوه وإلا فردوه »
فهذا الخبر نقتضي أن لا يقبل خبر الواحد / إلا عند موافقه الكتاب ، فإذا كان خبر العمة والخالة مخالفا لظاهر الكتاب وجب رده . الرابع : أن قوله تعالى :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
مع قوله عليه السلام : لا تنكح المرأة على عمتها لا يخلو الحال فيهما من ثلاثة أوجه : إما أن يقال : الآية نزلت بعد الخبر ، فحينئذ تكون الآية ناسخة للخبر لأنه ثبت أن العام إذا ورد بعد الخاص كان العام ناسخا للخاص ، وإما أن يقال : الخبر ورد بعد الكتاب ، فهذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز ، وإما أن يقال : وردا معا ، وهذا أيضا باطل لأن على هذا التقدير تكون الآية وحدها مشتبهة ، ويكون موضع الحجة مجموع الآية مع الخبر ، ولا يجوز للرسول المعصوم أن يسعى في تشهير الشبهة ولا يسعى في تشهير الحجة ، فكان يجب على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أن لا يسمع أحدا هذه الآية إلا مع هذا الخبر ، وأن يوجب إيجابا ظاهرا على جميع الأمة أن لا يبلغوا هذه الآية أحد إلا مع هذا الخبر ، ولو كان كذلك لزم أن يكون اشتهار هذا الخبر مساويا لاشتهار هذه الآية ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم .
الوجه الخامس : أن بتقدير أن تثبت صحة هذا الخبر قطعا ، إلا أن التمسك بالآية راجح على التمسك بالخبر . وبيانه من وجهين : الأول : أن قوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
نص صريح في التحليل كما أن قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
نص صريح في التحريم . وأما
قوله : « لا تنكح المرأة على عمتها »
فليس نصا صريحا لأن ظاهره إخبار ، وحمل الاخبار على النهي مجاز ، ثم بهذا التقدير فدلالة لفظ النهي على التحريم أضعف من دلالة لفظ الإحلال على معنى الإباحة . الثاني : أن قوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
صريح في تحليل كل ما سوى المذكورات ، وقوله : « لا تنكح المرأة على عمتها » ليس صريحا في العموم ، بل احتماله للمعهود السابق أظهر .
الوجه السادس : أنه تعالى استقصى في هذه الآية شرح أصناف المحرمات فعد منها خمسة عشر صنفا ، ثم بعد هذا التفصيل التام والاستقصاء الشديد قال :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
فلو لم يثبت الحل في كل من سوى هذه الأصناف المذكورة لصار هذا الاستقصاء عبثا لغوا ، وذلك لا يليق بكلام أحكم الحاكمين ، فهذا تقرير وجوه السؤال في هذا الباب .