النبي صلى اللَّه عليه وسلم يطوف ومعه المفتاح وأراد أن يدفعه إلى العباس ، ثم قال : يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس نصيبا معك ، فأنزل اللَّه هذه الآية ، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم لعثمان : « هاك خالدة تالدة لا ينزعها منك إلا ظالم » ثم إن عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده اليوم .
المسألة الثانية : اعلم أن نزول هذه الآية عند هذه القصة لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القضية ، بل يدخل فيه جميع أنواع الأمانات ، واعلم أن معاملة الإنسان اما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد ، أو مع نفسه ، ولا بد من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة .
أما رعاية الأمانة مع الرب : فهي في فعل المأمورات وترك المنهيات ، وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود : الأمانة في كل شيء لازمة ، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم . وقال ابن عمر رضي اللَّه عنهما : أنه تعالى خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها ، واعلم أن هذا باب واسع ، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها ، وأمانة العين أن لا يستعملها في النظر إلى الحرام ، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي ، وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها ، وكذا القول / في جميع الأعضاء .
وأما القسم الثاني : وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع ، ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن ، ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم ، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة ، بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم ، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، ونهيهم عن قولهم للكفار : ان ما أنتم عليه أفضل من دين محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، ويدخل فيه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في حفظ فرجها ، وفي أن لا تلحق بالزوج ولدا يولد من غيره . وفي اخبارها عن انقضاء عدتها .
وأما القسم الثالث : وهو أمانة الإنسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا ، وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة ، ولهذا
قال عليه الصلاة والسلام : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته »
فقوله :
يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
يدخل فيه الكل ، وقد عظم اللَّه أمر الأمانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
[ الأحزاب : 72 ] وقال :
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ *
[ المؤمنون : 8 ] وقال :
وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ
[ الأنفال : 27 ]
وقال عليه الصلاة والسلام : « لا أيمان لمن لا أمانة له »
وقال ميمون بن مهران : ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر : الأمانة والعهد وصلة الرحم . وقال القاضي : لفظ الأمانة وان كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
فوجب أن يكون المراد بهذه الأمانة ما يجري مجرى المال ، لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير .
المسألة الثالثة : الأمانة مصدر سمي به المفعول ، ولذلك جمع فإنه جعل اسما خالصا . قال صاحب « الكشاف » : قرئ ( الأمانة ) على التوحيد .
المسألة الرابعة : قال أبو بكر الرازي : من الأمانات الودائع ، ويجب ردها عند الطلب والأكثرون على أنها