السين كقوله :
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
[ المدثر : 26 ] وقد ترد كلمة « سوف » في الوعد أيضا قال تعالى :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
[ الضحى : 5 ] وقال :
سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي
[ يوسف : 98 ] قيل أخره إلى وقت السحر تحقيقا للدعاء ، وبالجملة فكلمة « السين » و « سوف » مخصوصتان بالاستقبال .
المسألة الثالثة : قوله :
نُصْلِيهِمْ
أي ندخلهم النار ، لكن قوله :
نُصْلِيهِمْ
فيه زيادة على ذلك فإنه بمنزلة شويته بالنار ، يقال شاة مصلية أي مشوية .
ثم قال تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
وفيه سؤالان :
السؤال الأول : لما كان تعالى قادرا على إبقائهم أحياء في النار أبد الآباد فلم لم يبق أبدانهم في النار مصونة عن النضج والاحتراق مع أنه يوصل إليها الآلام الشديدة ، حتى لا يحتاج إلى تبديل جلودهم بجلود أخرى ؟
والجواب : أنه تعالى لا يسأل عما يفعل ، بل نقول : انه تعالى قادر على أن يوصل إلى أبدانهم آلاما عظيمة من غير إدخال النار مع أنه تعالى أدخلهم النار .
السؤال الثاني : الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق اللَّه مكانها جلودا أخرى وعذبها كان / هذا تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز .
والجواب عنه من وجوه : الأول : أن يجعل النضج غير النضيج ، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ، فإذا كانت الذات واحدة كان العذاب لم يصل إلا إلى العاصي ، وعلى هذا التقدير المراد بالغيرية التغاير في الصفة .
الثاني : المعذب هو الإنسان ، وذلك الجلد ما كان جزأ من ماهية الإنسان ، بل كان كالشئ الملتصق به الزائد على ذاته ، فإذا جدد اللَّه الجلد وصار ذلك الجلد الجديد سببا لوصول العذاب إليه لم يكن ذلك تعذيبا الا للعاصي . الثالث : أن المراد بالجلود السرابيل ، قال تعالى :
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ
[ إبراهيم : 50 ] فتجديد الجلود إنما هو تجديد السرابيلات . طعن القاضي فيه ، فقال : انه ترك للظاهر ، وأيضا السرابيل من القطران لا توصف بالنضج ، وإنما توصف بالاحتراق . الرابع : يمكن أن يقال : هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع ، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام : كلما انتهى فقد ابتدأ ، وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله ، فكذا قوله :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
يعني كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا ، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه . الخامس : قال السدي : أنه تعالى يبدل الجلود من لحم الكافر فيخرج من لحمه جلدا آخر وهذا بعيد ، لأن لحمه متناه ، فلا بد وأن ينفد ، وعند نفاد لحمه لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد ، ولم يكن ذلك الطريق مذكورا أولا واللَّه أعلم .
ثم قال تعالى :
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
وفيه سؤالان :
السؤال الأول : قوله :
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
أي ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع ، كقولك للمعزوز : أعزك اللَّه ، أي أدامك على العز وزادك فيه . وأيضا المراد ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب ، وإلا فهم ذائقون مستمرون عليه .