تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
إلى قوله :
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
[ المائدة : 44 ] ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم قال تعالى :
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ
[ الصافات : 22 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة ، فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أو لا ق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار » وقال أيضا :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
[ إبراهيم : 42 ] وقال :
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
[ النمل : 52 ] . فان قيل : الغرض من الظلم منفعة الدنيا . فأجاب اللَّه عن السؤال بقوله :
لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
[ القصص : 58 ] . المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي اللَّه عنه : ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء : في الدخول عليه ، والجلوس بين يديه ، والإقبال عليهما ، والاستماع منهما ، والحكم عليهما قال : والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب ، فإن كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه . قال : ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته ، ولا شاهدا شهادته لأن ذلك يضر بأحد الخصمين ، ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف ، ولا يلقن المدعي عليه الإنكار والإقرار ، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا ، ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر ، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما ، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين . وروي أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان لا يضيف الخصم الا وخصمه معه . وتمام الكلام فيه مذكور في كتب الفقه ، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه ، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر ، وذلك هو المراد بقوله تعالى :
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
. المسألة الرابعة : قوله :
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم ، بل ذلك لبعضهم ، ثم بقيت الآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما ولما دلت سائر الدلائل على أنه لا بد للأمة من الامام الأعظم ، وأنه هو الذي ينصب القضاة والولاة في البلاد ، صارت تلك الدلائل كالبيان لما في هذه الآية من الإجمال . ثم قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ
أي نعم شيء يعظكم به ، أو نعم الذي يعظكم به ، والمخصوص بالمدح محذوف ، أي نعم شيء يعظكم به ذاك ، وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل . ثم قال :
إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
أي اعلموا بأمر اللَّه ووعظه فإنه أعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم ، وفيه دقيقة أخرى ، وهي أنه تعالى لما أمر في هذه الآيات بالحكم على سبيل العدل وبأداء الأمانة قال :
إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
أي إذا حكمت بالعدل فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم ، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك ، ولا شك أن هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع ، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : « اعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » وفيه دقيقة أخرى ، وهي أن كلما كان احتياج العبد أشد كانت عناية اللَّه أكمل ، والقضاة والولاة قد فوض اللَّه إلى أحكامهم مصالح العباد ، فكان الاهتمام بحكمهم وقضائهم أشد ، فهو سبحانه منزه عن
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 111 | فخر الدين الرازي