تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
مقابلة لطيفة في المعنى . والأقرب أن المراد بالكافرين هاهنا طائفة مخصوصة منهم وهم الذين حاربوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، وإنما قلنا ذلك لعلمنا بأنه تعالى لم يمحق كل الكفار ، بل كثير منهم بقي على كفره واللّه أعلم .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 142 إلى 143 ]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 ) اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى الوجوه التي هي الموجبات والمؤثرات في مداولة الأيام ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصلي لذلك ، فقال
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
بدون تحمل المشاق وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أم : منقطعة ، وتفسير كونها منقطعة تقدم في سورة البقرة . قال أبو مسلم : في
أَمْ حَسِبْتُمْ
إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت ، وتلخيصه : لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد ، وهو كقوله :
ألم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
[ العنكبوت : 1 ، 2 ] وافتتح الكلام بذكر
أَمْ
التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما لا بعينه ، يقولون : أزيداً ضربت أم عمراً ، مع تيقن وقوع الضرب بأحدهما ، قال : وعادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً ، فلما قال :
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا
[ آل عمران : 139 ] كأنه قال : أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به ، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر ، وإنما استبعد هذا لأن اللّه تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة ، وأوجب الصبر على تحمل متاعبها ، وبين وجوه المصالح فيها في الدين وفي الدنيا ، فلما كان كذلك ، فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة . المسألة الثانية : قال الزجاج : إذا قيل فعل فلان ، فجوابه أنه لم يفعل ، وإذا قيل قد فعل فلان ، فجوابه لما يفعل . لأنه لما أكد في جانب الثبوت بقد ، لا جرم أكد في جانب النفي بكلمة
لَمَّا
. المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم ، والمراد وقوعه على نفي المعلوم ، والتقدير : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يصدر الجهاد عنكم ، وتقريره أن العلم متعلق بالمعلوم ، كما هو عليه ، فلما حصلت هذه المطابقة لا جرم . حسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر ، وتمام الكلام فيه قد تقدم . أما قوله :
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
فاعلم أنه قرأ الحسن
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
بالجزم عطفاً على
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ
وأما النصب فبإضمار أن ، وهذه الواو تسمى واو الصرف ، كقولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، أي لا تجمع بينهما ، وكذا هاهنا المراد أن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان ، وقرأ أبو عمرو
وَيَعْلَمَ
بالرفع على تقدير أن الواو للحال . كأنه قيل : ولما تجاهدوا وأنتم صابرون . واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة ، فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر ، وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا ، والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى اللّه وامتلائه من حب اللّه ، وهذان الأمران مما لا يجتمعان ، فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما ، وأيضاً حب اللّه وحب الآخرة لا يتم بالدعوى ، فليس كل من أقر بدين اللّه كان صادقا ، ولكن الفصل فيه تسليط / المكروهات والمحبوبات ، فإن الحب هو الذي لا ينقص