تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
ففيه مسائل . المسألة الأولى : اللام في قوله :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
متعلق بفعل مضمر ، إما بعده أو قبله ، أما الإضمار بعده فعلى تقدير وليعلم اللّه الذين آمنوا فعلنا هذه المداولة ، وأما الإضمار قبله فعلى تقدير وتلك الأيام نداولها بين الناس لأمور ، منها ليعلم اللّه الذين آمنوا ، ومنها ليتخذ منكم شهداء ، ومنها ليمحص اللّه الذين آمنوا ، ومنها ليمحق الكافرين ، فكل ذلك كالسبب والعلة في تلك المداولة . المسألة الثانية : الواو في قوله :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
نظائره كثيرة في القرآن ، قال تعالى :
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
[ الأنعام : 75 ] وقال تعالى :
وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
[ الأنعام : 113 ] والتقدير : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم اللّه ، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ، ليسليهم عما جرى ، وليعرفهم أن تلك الواقعة وأن شأنهم فيها ، فيه من وجوه المصالح ما لو عرفوه لسرهم . المسألة الثالثة : ظاهر قوله تعالى :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مشعر بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم ، ومعلوم أن ذلك محال على اللّه تعالى ، ونظير هذه الآية في الإشكال قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
[ آل عمران : 142 ] وقوله :
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
[ العنكبوت : 3 ] وقوله :
لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً
[ الكهف : 12 ] وقوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
[ محمد : 31 ] وقوله :
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ
[ البقرة : 143 ] وقوله :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا *
[ هود : 7 ، الملك : 2 ] وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن اللّه تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها ، فقال : كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالماً بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها . أجاب المتكلمون عنه بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها ، فثبت أن التغيير في العلم محال إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور ، يقال : هذا علم فلان والمراد معلومه ، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم ، فالمراد تجدد المعلوم . إذا عرفت هذا ، فنقول في هذه الآية وجوه : أحدها : ليظهر الإخلاص من النفاق والمؤمن من الكافر . والثاني : ليعلم أولياء اللّه ، فأضاف إلى نفسه تفخيما . وثالثها : ليحكم بالامتياز ، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز ، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم . ورابعها : ليعلم ذلك واقعاً منهم كما كان يعلم أنه سيقع ، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد . المسألة الرابعة : العلم قد يكون بحيث يكتفي فيه بمفعول واحد ، كما يقال : علمت زيداً ، أي علمت ذاته وعرفته ، وقد يفتقر إلى مفعولين ، كما يقال : علمت زيداً كريما ، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني ، إلا أن المفعول الثاني محذوف والتقدير : وليعلم اللّه الذين آمنوا متميزين بالإيمان من غيرهم ، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الإيمان بسبب صبرهم وثباتهم على الإسلام ، ويحتمل أن يكون العلم هاهنا من القسم الأول ، بمعنى معرفة الذات ، والمعنى وليعلم اللّه الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم ، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم ، وهو ظهور الصبر حذف هاهنا .