تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
أما قوله :
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : الأول : يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي ، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية . والثاني : المراد منه وليكرم قوماً بالشهادة ، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر ، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة ، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ آل عمران : 169 ] وقال :
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ
[ الزمر : 69 ] وقال :
فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ
[ النساء : 69 ] فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة ، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بإرادة اللّه تعالى فقالوا : منصب الشهادة على ما ذكرتم ، فإن كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه ، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة ، فإذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوباً للّه تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوباً للّه تعالى ، وأيضاً فقوله :
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من اللّه تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق اللّه تعالى . المسألة الثالثة : الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء ، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيداً ، وفي تعليل هذا الاسم وجوه : الأول : قال النضر بن شميل : الشهداء أحياء لقوله :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ آل عمران : 169 ] فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام ، وأرواح غيرهم لا تشهدها ، الثاني : قال ابن الأنباري : لأن اللّه تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة ، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول ، الثالث : سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين ، كما قال تعالى :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ / عَلَى النَّاسِ
[ البقرة : 143 ] الرابع : سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة ، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله :
أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
[ نوح : 25 ] فكذا هاهنا يجب أن يقال : هؤلاء الذين قتلوا في سبيل اللّه ، كما ماتوا دخلوا الجنة . ثم قال تعالى :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أي المشركين ، لقوله تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] وهو اعتراض بين بعض التعليل وبعض ، وفيه وجوه : الأول : واللّه لا يحب من لا يكون ثابتاً على الإيمان صابراً على الجهاد . الثاني : فيه إشارة إلى أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد ، لا لأنه يحبهم . ثم قال :
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
أي ليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم ، والمحص في اللغة التنقية ، والمحق في اللغة النقصان ، وقال المفضل : هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء ، ومنه قوله تعالى :
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا
[ البقرة : 276 ] أي يستأصله . قال الزجاج : معنى الآية أن اللّه تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين ، فان حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين ، وإن كانت الغلبة للمؤمنين على هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين ومحوهم ، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين ، لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم ، وهذه