تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
قلنا : قد بينا أنه دعاء بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإسلام فسقط السؤال : وأيضا فإنه دعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون . ثم قال :
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : ( ذات ) كلمة وضعت لنسبة المؤنث كما أن ( ذو ) كلمة وضعت لنسبة المذكر والمراد بذات الصدور الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات الصدور ، والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما حصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في جملة المقول / وأن لا تكون أما الأول : فالتقدير : أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظا إذا خلوا وقل لهم : إن اللّه عليم بما هو أخفي مما تسرونه بينكم ، وهو مضمرات الصدور ، فلا تظنوا أن شيئا من أسراركم يخفى عليه أما الثاني : وهو أن لا يكون داخلا في المقول فمعناه : قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من اطلاعي إياك على ما يسرون ، فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك ، وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم ويجوز أن لا يكون ، ثم قول وأن يكون قوله
قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد اللّه إياه أنهم يهلكون غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم به ، كأنه قيل : حدث نفسك بذلك واللّه تعالى أعلم .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 120 ]

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) [ في قوله تعالى
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها
] واعلم أن هذه الآية من تمام وصف المنافقين ، فبيّن تعالى أنهم مع ما لهم من الصفات الذميمة والأفعال القبيحة مترقبون نزول نوع من المحنة والبلاء بالمؤمنين ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المس أصله باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء ( ماسا ) على سبيل التشبيه فيقال : فلان مسّه التعب والنصب ، قال تعالى :
وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
[ ق : 38 ] وقال :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ
[ الإسراء : 67 ] قال صاحب « الكشاف » : المس هاهنا بمعنى الإصابة ، قال تعالى :
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
[ التوبة : 50 ] وقوله
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
[ النساء : 79 ] وقال :
إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
[ المعارج : 20 ، 21 ] . المسألة الثانية : المراد من الحسنة هاهنا منفعة الدنيا على اختلاف أحوالها ، فمنها صحة البدن وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على الأعداء وحصول المحبة والألفة بين الأحباب والمراد بالسيئة أضدادها ، وهي المرض والفقر والهزيمة والانهزام من العدو وحصول التفرق بين الأقارب ، والقتل والنهب والغارة ، فبيّن تعالى أنهم يحزنون ويغتمون بحصول نوع من أنواع الحسنة للمسلمين ويفرحون بحصول نوع من أنواع السيئة لهم . المسألة الثالثة : يقال ساء الشيء يسوء فهو سئ ، والأنثى سيئة أي قبح ، ومنه قوله تعالى :
ساءَ ما يَعْمَلُونَ
[ المائدة : 66 ] والسوأى ضد الحسنى . ثم قال :
وَإِنْ تَصْبِرُوا
يعني على طاعة اللّه وعلى ما ينالكم فيها من شدة وغم
وَتَتَّقُوا
كل ما نهاكم